إيحاءات داغستانية: سلامًا يا ليل “دَرْبَنْد”

Home » Arabic (العربية) » دراسات » الضاربون في الأرض » إيحاءات داغستانية: سلامًا يا ليل “دَرْبَنْد”

سلامًا ياليل “دربند”..! سُقيتَ الرَّوح والرَّيحان.. ورويتَ الودَّ والتَّحنان.. يا ظلَّ الكون على أَكْبُدِنا الحَرَّى.. ويا فَيْءَ الزمن على أفئدتنا العطشى.. طال دربنا.. كلَّتْ أقدامنا.. استوحشت أرواحنا وآدتْ قلوبنا حتّى الْتقيناك، فإذا بحادي الركب يهتف بنا: هنا نَحُطُّ رِحَالَ العشق، وننْصُب خيام الهوى.. تحت جنح هذا الليل المضمخ بأريج الصحاب(1)، والمعطّر بِمِسْكِ دمائهم، والنّديّ بندى أرواحهم، والمترع بنور إيمانهم..! ناغِنَا.. سامِرْ قلوبنا.. تعطّفْ علينا.. آنِسْ غُرْبَتَنَا.. دَعنا نستظلُّ بظلك.. ونتفيأ بَرْدَ فيئك.. تدّفقْ حنانًا علينا.. تساكبْ لطفًا فوقنا.. تَوَاجَدْ عشقًا نحونا.. نحن أحفاد أولئك الراقدين تحت سمائك، الناشرين الطّيبَ في أنحائك..!

يا ليل “دَرْبَند” لا تخش ظمأً بعد اليوم.. فبدُموع الوَجْد مِنَّا سنسقي صحاراك الظامئات، ونروي زهراتِك المصوحات.. وبأنين التائبين النادمين منا ستُظلّك سحائب الرحمة، وتتنـزل عليك لطائف الودّ.. وبهتاف المحبين المحترقين بحبهم ستتفتح أبواب السماء، وتهبط عليك الرحمات، وتغشاك السكينة.. أبدًا لن تجفُّ مِنَّا العبرات.. لله نحزن.. وله نسكب الدمع.. وإليه نجأر بالدعاء.. وعلى أعتابه نمرّغ الوجوه.. ويذوب مِنَّا الوجود.. وعلى “باب الأبواب” نرابط نحمي “كلمة الله” من الضياع، ونصونها بالمهج والأرواح..!

يا “باب الأبواب”!(2) ما أكثر ما اصطرعت عليك شعوب، والْتحمت من أجلك أقوام، وسالت على بابك دماء.. والتقت من خلالك أديانٌ وحضارات.. كلُّ شيء فيك تاريخ ناطق، أو إشارات إلى تاريخ.. التراب.. الأحجار.. الصخور.. القبور.. القلاع.. الحصون.. البحر.. الجبل.. الأرض.. السماء.. بل الإنسان نفسه، إنه تاريخ متحرك من مجموعة أخلاط عجيبة من الأقوام والشعوب واللغات والأوطان انصهرت كلّها في أتون الزمن فَتَخَلّقَ منها إنسان جديد هو خلاصة مصطفاة من هذه الأخلاط والأمشاج!

على أعتاب “باب الأبواب” تُسْكَبُ العبرات.. وتذوب النفس حسرات.. ويتمزق القلب حزنًا وأسًى.. على هذا الباب صُلِبَ الإيمان مرةً، ولكنه لم يَمُتْ.. تناوشته سهام الكفر فأثخنه الجراحُ، ولكنه لم يمتْ.. جرّعوهُ الصّابَ والعَلقَمَ فتهاوى مُدْنفًا، ولكنه لم يمت.. حاصروه.. حرَّقوا كتابه.. سجروا به تنانير حقدهم، لكنه ظلَّ حيًّا في القلوب ولم يمت.. لأنه حياة أقوى من كل حياة.. وحياة فوق كل حياة..!

يا ابن “دربند”.! في أَغوار روحك يسكن تاريخ أرضك.. روحهُ المعذَّبَةُ مسكوبةٌ في روحك.. إنه يغورُ بكل آلامه في أعماقك.. يخصب حياتك، لكنه يلونها بالأسى.. يشكل عقلك، لكنه يثقله بالهمّ.. لا يَمُدُّكَ إلاَّ بمرارات تجاربه، ولا يمنحك إلاّ دموية حكمته.! تحرَّرْ من صغوطه عليك.. انْسلخْ عنه.. عِشْ خارجه.. ارتفع فوقه.. اُسْمُ عليه.. اسْمُ وارْقَ حتى تلامس سماواتِ القرآن.. هناك الْتمس لك تاريخًا لا يُبْليهِ الزمنُ.. ولا يُعَتّقُه القِدَمُ.. ولا يلتهمه العدم.. هو للروح بهجة لا تنقضي.. وللقلب عيدٌ لا يحولُ ولا يزول..!

(1) هم شهداء الصحابة الأربعين الراقدين فوق روابي “درْبَند / داغستان”.
(2) تسمي كتب التراث مدينة “دَربند” بـ ” باب الأبواب” وربما لأهميتها وكونها الباب الذي يدلف منه القادمون من أوربا إلى آسيا الوسطى وبالعكس (انظر: معجم البلدان، لياقوت الحموي).

Share:

More Posts

عمى النظام

إنّ الذين يعملون داخل نظامٍ وكيانٍ معيّن قد يُصابون مع مرور الوقت بما يُسمى “عمى النظام”؛ أو ما يمكن أن نسميه بالرتابة والاستسلام للإلف والتعوّد، فلا جَرَمَ أنّ تكرار الأعمال على الدوام بشكلٍ معين وتنسيقٍ محدَّدٍ روتينيٍّ يؤدّي إلى الرتابة، فإن لم يُراجَع هذا النظام ويُجدَّد على فترات معينة، ولم تُسدَّ الثغرات وتُكمَّل النواقص؛ حصل…

آفة الدين ثلاثة

سؤال: جاء في الحديث: “آفَةُ الدِّینِ ثَلَاثَةٌ: فَقِیهٌ فَاجِرٌ وَإِمَامٌ جَائِرٌ وَمُجْتَهِدٌ جَاهِلٌ”[1]، فما السمات المشتركة التي جعلت من هذه الفئات الثلاث المذكورة في الحديث آفةً للدين؟
الجواب: رغم أن هذا القول الذي رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد انتُقد من حيث ضوابط ومعايير علم مصطلح الحديث فلا شك أنه يعبّر من حيث المعنى عن حقيقة مهمّة…

الإسلام مبنيٌّ على اليُسْرِ

سؤال: بما أنّ الإسلامَ دينُ يُسرٍ وليس دينَ عسرٍ؛ فلماذا تصعب على أجيال اليوم معايشة الإسلام الحقيقي؟ وكيف نفهم هذا الوضع الذي يبدو متناقضًا في الظاهر؟
الجواب: حتى نفهم المسألة فهمًا صحيحًا لا بد أن نؤكد بدايةً على أن العسر واليسر مفهومان نسبيان؛ بمعنى أن هذه المسألة تختلف تبعًا لفهم الأفراد وتصوراتهم، فقد يجد البعض صعوبةً في أداء…

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

سؤال: أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وحثنا بوسائل شتى على الصلاة والسلام عليه، فكيف نفهم هذه الوصية؟ وكيف ننفذ هذا الأمر؟
الجواب: حثنا النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في السؤال- على الصلاة والسلام عليه في كثير من أحاديثه المباركة، ومن ذلك قوله: “إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فِي الدُّنْيَا”[1]،…

الذنب والتوبة

لم يكن الحسدُ والكبرُ والعصيانُ فحسب السببَ في طرد الشيطان من الحضرة الإلهية، إنما قيامُه بعد العصيان باختلاق المبررات والأعذار، ولُجوؤه إلى الجدل، ومحاولتُه تبريرَ خطيئته.. وعلى الجانب الآخر فقد استوعب أصحابُ الطبائع السليمة دقّةَ الامتثال للأمر؛ فما إن تعثّروا وسقطوا حتى نهضوا واستقاموا وتوجهوا إلى الباب الذي عليهم أن يتوجهوا إليه، وسألوا الله العفو…

لمحات حول تطوير الفقه الإسلامي

سؤال: ما نوع الدراسات التي توصي بإجرائها في مجال الفقه كي يتسنى التغلب على الركود المستمر منذ ثلاثة أو أربعة قرون؟
الجواب: بداية ثمة فائدة في التذكير بأمر ما يتعلق بالموضوع، ألا وهو أن علم الفقه معجزة من معجزات القرآن والفكر الإسلامي؛ فقد نظم الفقهاء المسلمون الحياة بأدقِّ تفاصيلها من خلال الأحكام التي توصلوا إليها كنتاج لعمل جاد،…

“فوائد قصة “هابيل” و”قابيل

سؤال: ما الرسائل المراد إيصالها إلى المؤمنين من خلال قصة “هابيل” و”قابيل”؟
الجواب: أودّ أن أتطرّق إلى مبدإٍ عام قبل الإجابة على هذا السؤال، فمن المؤكد أن لكل واقعة مذكورة في القرآن الكريم جانبًا يهمّنا، وعلينا أن نعثر على جوانبها التي تتعلق بيومنا، ونأخذ العبرة والدروس منها؛ فالقرآن لا يتحدث عن الماضي سردًا لمعلومات تاريخية فحسب؛ بل إنه…

قَدَرُ الطريق

في مواجهة المظالم المعيشة في يومنا، يعاني الكثير منا المشاعر نفسها ونحمل الأفكار عينها في كل حركاتنا وسكناتنا؛ فينقضُّ نومنا، ونئنّ ألمًا وحزنًا، ومع ذلك نؤمن تمامًا بأنه إذا استطعنا أن نواجه بصبرٍ ورضًا البلايا والمصائب التي نتعرّض لها، فإن جميع المشاكل والصعوبات التي نعانيها في هذا العالم ستكون وسيلة مهمة لفوزنا في الآخرة، وإن…

السبيل إلى الحفاظ على الحياة الروحية

سؤال: كيف نحافظُ على النقاء المعهود في أيام الخدمة الأولى، ونستمرُّ في مواصلة الشد المعنوي، وتنشئةِ رجالٍ جددٍ للدّعوة؟
الجواب: بداية أودّ أن أؤكّد على حقيقة أُشيرَ إليها في السؤال، ألا وهي أن الناس كانوا في السنوات الأولى من الخدمة مخلصين ومضحّين للغاية.. فلم يكن لديهم مطلبٌ سوى رضا الله، وكان الوفاق والاتفاق رائعًا بين المتطوعين في الخدمة…..

الموقف الثابت والأقنعة الساقطة

كلُّ مشكلةٍ ومعاناةٍ تعيشها تكون حبلى بالبهجة والسرور، وبالتالي يجب عليك أن تتحمل فترة الحمل.. فإذا كنت تريد أن يكون لديك ابنٌ كهالة النور وأن تضمّه إلى حضنك، فعليك أن تتحمل المتاعب التي ستتعرض لها قبل ذلك وأن تعمل على مواجهتها بصبرٍ، وهذا بالطبع ليس بالأمر السهل، ولكنك ستشعر بعد ذلك بفرحة تنسيك معاناتك السابقة،…

Send Us A Message