هتاف الأرواح

مهداة إلى أولئك الفتيان الشجعان،
الآتين من كل مكان،
إلى أرض “داغستان”،
ليقيموا فيها معاهد العلم والعرفان،
ويُعلوا منارات الهدى والإيمان.

لو أصغيتم بآذان أرواحكم في سجوّ الليالي وفي هدوات الأسحار، لسمعتم هتاف أربعين صحابيا يرقدون فوق روابي هذه المدينة(1) وهم ينادونكم قائلين:

انتظَرْناكم طويلا.. سألنا عنكم الغادين والرائحين من ملائكة السماء: أين فِتيان الإيمان؟ متى يقدم حمَلة القرآن؟ الشوق إليكم أضنانا.. والحنين للقْياكم عذبنا .. وها أنتم اليوم هنا.. فلأرواحنا أن تسعد، ولوَحشتنا أن تأنس، ولغربتنا أن تتأسى بكم في هذا القفر الموحش المجدب من صحاب الإيمان، والممحل من أشقّاء الروح والوجدان.

لا نقول لكم أحْرقوا كل شيء يغريكم بالعودة من حيث أتيتم كما فعل طارق بن زياد من قبل، ولكنا نقول: أحرقوا وجودكم كله، وأشعلوا النار في أرواحكم، ثم انثروا حبّات هذا الوجود المحترق فوق هذه الأرض، فلا تغادروها – إذا غادرتموها- إلا لتعودوا إليها، لأنها صارت جزءًا من وجودكم، وقطعة عزيزة من كيانكم.

تتساءلون: ما هذه النار التي آنستم وجودها في هذا المكان من بعيد، والتي جذبَتكم للمجيء إلى هنا؟ ونحن نقول لكم: إنها قبَس من نور عظيم كنا قد حملناه في أفئدتنا إلى هذه الأرض، ولكنها اليوم ذبالة مرتعشة وجلة توشك على الانطفاء إلى الأبد. وإننا لنناشدكم -يا أبناءنا البررة- ألاّ تدَعوا هذه الذبالة تخفت وتنطفئ. انْفخوا فيها من أرواحكم، ألقموها قلوبكم، وأطعموها عقولكم، لتعود تتأجج من جديد وتنير لهذا الشعب مصابيح الهدى والإيمان.

جئتم إلى هنا مدفوعين بقوّة قدَرية لا تقاوَم، فأنتم مبعوثو القدَر وسفراؤه إلى هذه البلاد؛ لقد اجتزْتم بوّابة آسيا الكبرى، وفتحتم الطريق لمواكب الإيمان من بعدكم، ولعل حدس أستاذكم بنهوض آسيا على صوت الإسلام من جديد يوشك أن يصدق. فأنتم هنا هذا الصوت العظيم الذي سيتردد صداه قريبا في عمق أعماق آسيا… فاهتفوا ولا تنوا عن الهتاف، ورجّوا الأرض بهتافكم، وهزوا الأبواب الموصدة في وجوهكم.. فمن أدام الطرق فُتح له ولو بعد حين.

لا تقولوا: ما نحن؟ ومن نحن؟ وأنّى لنا أن نعيد لكلمة التوحيد وهجها فوق هذه الأرض؟ وأنّى لنا أن نعمر أرضا خرابا عملت فيها معاول الهدم والتخريب خمسة وسبعين عاما؟ وكيف لنا أن نبذر بذرة الإيمان في أرض قاحلة جرداء؟ وبماذا نشق الأرض ولا رفش ولا محراث؟

ونحن نقول لكم: إنْ عزّ المحراث فلتكن أظافركم هي المحراث الذي به تحرثون، وإن عز الرفش فلتكن أسنانكم هي الرفش الذي به تحفرون؛ ولأن صوت الحياة القرآنية هي التي تتكلم في دواخلكم، فسوف تصغي إليها حبات التراب وجلاميد الصخور، بل ستصغي إليها الأرض والسماء، وكل الكائنات ستأتيكم طائعة منقادة. ها هي فرصتكم -يا أبناءنا- كي تُعلّموا البشرية كيف يمكن للإيمان والإخلاص أن يأتي بالمعجزات، وتُعلّموا العالم أن وجودكم هنا هو الدليل الأقوى على عالمية الإسلام وعمومية القرآن.

لا تستمعوا إلى أولئك المثبطين والمعوقين الثرثارين، وهم يتخافتون متهامسين: أيّ خيال ضبابي يتشبث به هؤلاء؟! وأيّ حلم ورْدي يُغرقون أنفسهم فيه؟! وأية آمال بعيدة المنال يركضون وراءها؟!

ونحن نقول لكم -يا أبناءنا-: ليس الخيال هو ما نخافه عليكم، وإنما نخاف عليكم افتقاركم إلى الخيال.. فما أكثر ما بعثه الخيال من الهمم، وحفز من الأذهان، ودل وأشار إلى خفايا من الحقائق ما زال العقل يدين بها إليه. وجودنا هنا، بل وجودكم أنتم كان حلما من الأحلام، وهو اليوم حقيقة من الحقائق. وما هو خيال اليوم يكاد يكون حقيقة غدا، والأمة التي يعقم خيالها يعقم ذهنها ويتبلد وجدانها.

أحبّوا “داغستان” بكل حبة من قلوبكم، ولْيكن همكم بها فوق كل همّ، ومحبّتها فوق كل محبة. فإذا أحببتموها سهُل عليكم ما تلقونه في سبيلها من متاعب ومشقّات، وسهلت عليكم التضحيات.

يقال إن البلبل إذا تعشق وردة وأراد أن يغنّيها حبّه غرز شوكتها في صدره وشرع يغني لها أشجى ألحانه وأعذبها. وأنتم كذلك -يا أبناءنا الأعزاء- دعوا بلابل الإيمان في صدوركم تغنّي “داغستان” أعذب الألحان رغم ما يوخز صدوركم من أشواكها. فهي وردتكم ووردة آسيا الوسطى التي يهون كل شيء من أجل أن تسمع عنكم وتصغي لكم، وهي ماسة “القفْقاس” المتلألئة في تاج جمالها، لكنها تتأبّى عمن يرومها إلا المحبين الذين يشفع لهم عندها إخلاصهم في حبّها وهداياهم إليها…

وهل من هدية هي أثمن من الإيمان الذي تقدّمونه إليها وتُحْبُونها به..؟

(1) المقصود “مدينة دربند” وهي إحدى مدن داغستان التي يفخر أبناؤها بأن مدينتهم تضم رفات أربعين صحابيا كانوا قد استشهدوا خلال الفتح الإسلامي لهذه البلاد سنة 32 هـ في خلافة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه.

Share:

More Posts

عمى النظام

إنّ الذين يعملون داخل نظامٍ وكيانٍ معيّن قد يُصابون مع مرور الوقت بما يُسمى “عمى النظام”؛ أو ما يمكن أن نسميه بالرتابة والاستسلام للإلف والتعوّد، فلا جَرَمَ أنّ تكرار الأعمال على الدوام بشكلٍ معين وتنسيقٍ محدَّدٍ روتينيٍّ يؤدّي إلى الرتابة، فإن لم يُراجَع هذا النظام ويُجدَّد على فترات معينة، ولم تُسدَّ الثغرات وتُكمَّل النواقص؛ حصل…

آفة الدين ثلاثة

سؤال: جاء في الحديث: “آفَةُ الدِّینِ ثَلَاثَةٌ: فَقِیهٌ فَاجِرٌ وَإِمَامٌ جَائِرٌ وَمُجْتَهِدٌ جَاهِلٌ”[1]، فما السمات المشتركة التي جعلت من هذه الفئات الثلاث المذكورة في الحديث آفةً للدين؟
الجواب: رغم أن هذا القول الذي رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد انتُقد من حيث ضوابط ومعايير علم مصطلح الحديث فلا شك أنه يعبّر من حيث المعنى عن حقيقة مهمّة…

الإسلام مبنيٌّ على اليُسْرِ

سؤال: بما أنّ الإسلامَ دينُ يُسرٍ وليس دينَ عسرٍ؛ فلماذا تصعب على أجيال اليوم معايشة الإسلام الحقيقي؟ وكيف نفهم هذا الوضع الذي يبدو متناقضًا في الظاهر؟
الجواب: حتى نفهم المسألة فهمًا صحيحًا لا بد أن نؤكد بدايةً على أن العسر واليسر مفهومان نسبيان؛ بمعنى أن هذه المسألة تختلف تبعًا لفهم الأفراد وتصوراتهم، فقد يجد البعض صعوبةً في أداء…

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

سؤال: أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وحثنا بوسائل شتى على الصلاة والسلام عليه، فكيف نفهم هذه الوصية؟ وكيف ننفذ هذا الأمر؟
الجواب: حثنا النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في السؤال- على الصلاة والسلام عليه في كثير من أحاديثه المباركة، ومن ذلك قوله: “إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فِي الدُّنْيَا”[1]،…

الذنب والتوبة

لم يكن الحسدُ والكبرُ والعصيانُ فحسب السببَ في طرد الشيطان من الحضرة الإلهية، إنما قيامُه بعد العصيان باختلاق المبررات والأعذار، ولُجوؤه إلى الجدل، ومحاولتُه تبريرَ خطيئته.. وعلى الجانب الآخر فقد استوعب أصحابُ الطبائع السليمة دقّةَ الامتثال للأمر؛ فما إن تعثّروا وسقطوا حتى نهضوا واستقاموا وتوجهوا إلى الباب الذي عليهم أن يتوجهوا إليه، وسألوا الله العفو…

لمحات حول تطوير الفقه الإسلامي

سؤال: ما نوع الدراسات التي توصي بإجرائها في مجال الفقه كي يتسنى التغلب على الركود المستمر منذ ثلاثة أو أربعة قرون؟
الجواب: بداية ثمة فائدة في التذكير بأمر ما يتعلق بالموضوع، ألا وهو أن علم الفقه معجزة من معجزات القرآن والفكر الإسلامي؛ فقد نظم الفقهاء المسلمون الحياة بأدقِّ تفاصيلها من خلال الأحكام التي توصلوا إليها كنتاج لعمل جاد،…

“فوائد قصة “هابيل” و”قابيل

سؤال: ما الرسائل المراد إيصالها إلى المؤمنين من خلال قصة “هابيل” و”قابيل”؟
الجواب: أودّ أن أتطرّق إلى مبدإٍ عام قبل الإجابة على هذا السؤال، فمن المؤكد أن لكل واقعة مذكورة في القرآن الكريم جانبًا يهمّنا، وعلينا أن نعثر على جوانبها التي تتعلق بيومنا، ونأخذ العبرة والدروس منها؛ فالقرآن لا يتحدث عن الماضي سردًا لمعلومات تاريخية فحسب؛ بل إنه…

قَدَرُ الطريق

في مواجهة المظالم المعيشة في يومنا، يعاني الكثير منا المشاعر نفسها ونحمل الأفكار عينها في كل حركاتنا وسكناتنا؛ فينقضُّ نومنا، ونئنّ ألمًا وحزنًا، ومع ذلك نؤمن تمامًا بأنه إذا استطعنا أن نواجه بصبرٍ ورضًا البلايا والمصائب التي نتعرّض لها، فإن جميع المشاكل والصعوبات التي نعانيها في هذا العالم ستكون وسيلة مهمة لفوزنا في الآخرة، وإن…

السبيل إلى الحفاظ على الحياة الروحية

سؤال: كيف نحافظُ على النقاء المعهود في أيام الخدمة الأولى، ونستمرُّ في مواصلة الشد المعنوي، وتنشئةِ رجالٍ جددٍ للدّعوة؟
الجواب: بداية أودّ أن أؤكّد على حقيقة أُشيرَ إليها في السؤال، ألا وهي أن الناس كانوا في السنوات الأولى من الخدمة مخلصين ومضحّين للغاية.. فلم يكن لديهم مطلبٌ سوى رضا الله، وكان الوفاق والاتفاق رائعًا بين المتطوعين في الخدمة…..

الموقف الثابت والأقنعة الساقطة

كلُّ مشكلةٍ ومعاناةٍ تعيشها تكون حبلى بالبهجة والسرور، وبالتالي يجب عليك أن تتحمل فترة الحمل.. فإذا كنت تريد أن يكون لديك ابنٌ كهالة النور وأن تضمّه إلى حضنك، فعليك أن تتحمل المتاعب التي ستتعرض لها قبل ذلك وأن تعمل على مواجهتها بصبرٍ، وهذا بالطبع ليس بالأمر السهل، ولكنك ستشعر بعد ذلك بفرحة تنسيك معاناتك السابقة،…

Send Us A Message