فكر الأستاذ فتح الله كولن بين الحقيقة والخيال

Home » Arabic (العربية) » دراسات » الضاربون في الأرض » فكر الأستاذ فتح الله كولن بين الحقيقة والخيال

كنت في جلسة حوار مع أحد الأصدقاء، حدّثتُه فيها عن أفكار الأستاذ فتح الله كولن، وعن سعة هذه الأفكار وعمقها وأبعادها العالمية والكونية، فقال بشيء من التهكّم: لعلك تريد أن تقول إنَّ أستاذكم يريد إصلاح العالم؟

قلت: نعم، أستاذنا ونحن معه نريد إصلاح العالم..

قال: إذن، أنتم تحلمون…

قلت: وما العيب أن نكون حالمين.. فـ”الحلم” كان ولا زال مفتاح كل الحقائق والوقائع الملموسة.. وكل ما نشاهده اليوم من مكتشفات ومخترعات كانت بالأمس القريب أحلامًا وخيالات، فإذا بها اليوم حقائق قائمة بين طهرانينا.. فالإنسان الذي لا يحلم، لا يستطيع أن يفكّر؛ فالحلم أو الخيال هو أولى درجات الحقيقة والإنجاز..

لقد سعى “كولن” في كل ما كتبه أو قاله إلى تهئية جيل عظيم قادر على أن يكون عقل العالم حين يُجَنُّ هذا العالم ويفقد عقله، وأن يكون الميزان الذي يعيد للعالم توازنه حين تختل به الموازين، وأن يكون الحق الذي يدفع أباطيل العالم فيزهقه، وأن يكون هو الصواب حين يخطئ العالم، والضمير الحي حين يموت ضمير العالم.

ليس من العيب أن تكون هذه أحلامنا، ولكنّ العيب أَنْ نظلَّ نحلم، أو أن نبقى في دائرة الحلم ولا نتجاوزها إلى العمل الجاد لتحقيق هذه الأحلام.. فالواجب أن نشحذ هممنا، وأَنْ نزيد في قوى إراداتنا وأن نعمل ليلَ نهار، ونبذل كل طاقاتنا الفكرية والعملية من أجل الوصول إلى هذه الأهداف العظيمة، حتى نراها قائمة بين أيدينا واقعًا ملموسًا نلمسه بأيدينا ونبصره بأعيننا ونعايشه في حياتنا..

فإرادة الوصول إلى الهدف هي التي ستقرّبنا منه.. فالإرادة هي الحياة، فمَن لا إرادة له، فهو ميت، وإن كان يمشي على رجْلين بين الأحياء… إن الأرادة العبقرية تصنع الأعاجيب، لا مستحيل يحول بينها وبين أهدافها، إذا كنت “رجل إرادة” فأنت رجل حياة، فعظماء البشر هم عظيمو الإرادات، وهي التي تصنع التاريخ، وتصنع مجد الشعوب والأمم، بل أمضي فأقول: إنَّ الإرادات العبقرية تحرّك الجبال، وتخرق الصعاب..

ويمكن تلخيص أفكار الأستاذ فتح الله بالآتي:

  1. تحريك سواكن عقل المسلم وقلبه.
  2. استنهاض قواه الجوّانية والذاتية.
  3. إشعال فتائل الإيمان المنطفئة من جديد.
  4. مدّ الجسور بين عقل الإنسان وعقل الكون.
  5. الاعتقاد بعالمية الإسلام.
  6. العمل على جعْل راية “لا إله إلا الله” ترفرف في أرجاء العالم.
  7. تعزيز الشعور بمسؤوليتنا عما يجري في العالم من انحراف عن العقدة الصحيحة.
  8. تعزيز الإيمان بأننا عقل العالم الحصيف لعقل العالم إذا ما أصيب بالجنون.
  9. تقوية الإدراك بأننا الينبوع الصافي لقلب العالم الظامئ إلى الإيمان.
  10. الشعور العميق بأننا ميزان العدل إذا اختلّت الموازين.
  11. إقناع العالم بأننا رجال أمن وسلام لا ينبغي للعالم أن يتوجس خيفة منّا.

Share:

More Posts

عمى النظام

إنّ الذين يعملون داخل نظامٍ وكيانٍ معيّن قد يُصابون مع مرور الوقت بما يُسمى “عمى النظام”؛ أو ما يمكن أن نسميه بالرتابة والاستسلام للإلف والتعوّد، فلا جَرَمَ أنّ تكرار الأعمال على الدوام بشكلٍ معين وتنسيقٍ محدَّدٍ روتينيٍّ يؤدّي إلى الرتابة، فإن لم يُراجَع هذا النظام ويُجدَّد على فترات معينة، ولم تُسدَّ الثغرات وتُكمَّل النواقص؛ حصل…

آفة الدين ثلاثة

سؤال: جاء في الحديث: “آفَةُ الدِّینِ ثَلَاثَةٌ: فَقِیهٌ فَاجِرٌ وَإِمَامٌ جَائِرٌ وَمُجْتَهِدٌ جَاهِلٌ”[1]، فما السمات المشتركة التي جعلت من هذه الفئات الثلاث المذكورة في الحديث آفةً للدين؟
الجواب: رغم أن هذا القول الذي رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد انتُقد من حيث ضوابط ومعايير علم مصطلح الحديث فلا شك أنه يعبّر من حيث المعنى عن حقيقة مهمّة…

الإسلام مبنيٌّ على اليُسْرِ

سؤال: بما أنّ الإسلامَ دينُ يُسرٍ وليس دينَ عسرٍ؛ فلماذا تصعب على أجيال اليوم معايشة الإسلام الحقيقي؟ وكيف نفهم هذا الوضع الذي يبدو متناقضًا في الظاهر؟
الجواب: حتى نفهم المسألة فهمًا صحيحًا لا بد أن نؤكد بدايةً على أن العسر واليسر مفهومان نسبيان؛ بمعنى أن هذه المسألة تختلف تبعًا لفهم الأفراد وتصوراتهم، فقد يجد البعض صعوبةً في أداء…

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

سؤال: أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وحثنا بوسائل شتى على الصلاة والسلام عليه، فكيف نفهم هذه الوصية؟ وكيف ننفذ هذا الأمر؟
الجواب: حثنا النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في السؤال- على الصلاة والسلام عليه في كثير من أحاديثه المباركة، ومن ذلك قوله: “إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فِي الدُّنْيَا”[1]،…

الذنب والتوبة

لم يكن الحسدُ والكبرُ والعصيانُ فحسب السببَ في طرد الشيطان من الحضرة الإلهية، إنما قيامُه بعد العصيان باختلاق المبررات والأعذار، ولُجوؤه إلى الجدل، ومحاولتُه تبريرَ خطيئته.. وعلى الجانب الآخر فقد استوعب أصحابُ الطبائع السليمة دقّةَ الامتثال للأمر؛ فما إن تعثّروا وسقطوا حتى نهضوا واستقاموا وتوجهوا إلى الباب الذي عليهم أن يتوجهوا إليه، وسألوا الله العفو…

لمحات حول تطوير الفقه الإسلامي

سؤال: ما نوع الدراسات التي توصي بإجرائها في مجال الفقه كي يتسنى التغلب على الركود المستمر منذ ثلاثة أو أربعة قرون؟
الجواب: بداية ثمة فائدة في التذكير بأمر ما يتعلق بالموضوع، ألا وهو أن علم الفقه معجزة من معجزات القرآن والفكر الإسلامي؛ فقد نظم الفقهاء المسلمون الحياة بأدقِّ تفاصيلها من خلال الأحكام التي توصلوا إليها كنتاج لعمل جاد،…

“فوائد قصة “هابيل” و”قابيل

سؤال: ما الرسائل المراد إيصالها إلى المؤمنين من خلال قصة “هابيل” و”قابيل”؟
الجواب: أودّ أن أتطرّق إلى مبدإٍ عام قبل الإجابة على هذا السؤال، فمن المؤكد أن لكل واقعة مذكورة في القرآن الكريم جانبًا يهمّنا، وعلينا أن نعثر على جوانبها التي تتعلق بيومنا، ونأخذ العبرة والدروس منها؛ فالقرآن لا يتحدث عن الماضي سردًا لمعلومات تاريخية فحسب؛ بل إنه…

قَدَرُ الطريق

في مواجهة المظالم المعيشة في يومنا، يعاني الكثير منا المشاعر نفسها ونحمل الأفكار عينها في كل حركاتنا وسكناتنا؛ فينقضُّ نومنا، ونئنّ ألمًا وحزنًا، ومع ذلك نؤمن تمامًا بأنه إذا استطعنا أن نواجه بصبرٍ ورضًا البلايا والمصائب التي نتعرّض لها، فإن جميع المشاكل والصعوبات التي نعانيها في هذا العالم ستكون وسيلة مهمة لفوزنا في الآخرة، وإن…

السبيل إلى الحفاظ على الحياة الروحية

سؤال: كيف نحافظُ على النقاء المعهود في أيام الخدمة الأولى، ونستمرُّ في مواصلة الشد المعنوي، وتنشئةِ رجالٍ جددٍ للدّعوة؟
الجواب: بداية أودّ أن أؤكّد على حقيقة أُشيرَ إليها في السؤال، ألا وهي أن الناس كانوا في السنوات الأولى من الخدمة مخلصين ومضحّين للغاية.. فلم يكن لديهم مطلبٌ سوى رضا الله، وكان الوفاق والاتفاق رائعًا بين المتطوعين في الخدمة…..

الموقف الثابت والأقنعة الساقطة

كلُّ مشكلةٍ ومعاناةٍ تعيشها تكون حبلى بالبهجة والسرور، وبالتالي يجب عليك أن تتحمل فترة الحمل.. فإذا كنت تريد أن يكون لديك ابنٌ كهالة النور وأن تضمّه إلى حضنك، فعليك أن تتحمل المتاعب التي ستتعرض لها قبل ذلك وأن تعمل على مواجهتها بصبرٍ، وهذا بالطبع ليس بالأمر السهل، ولكنك ستشعر بعد ذلك بفرحة تنسيك معاناتك السابقة،…

Send Us A Message