الانفجار الفكري الكبير

Home » Arabic (العربية) » دراسات » الضاربون في الأرض » الانفجار الفكري الكبير

يعزو كثير من الباحثين في تاريخ العرب الحديث، إشعال فتيل الانفجار الفكري الكبير لدى العرب والمسلمين، إلى شرارات مدافع “نابلْيون” وهو يدك أسوار الإسكندرية غازيا. فعقل عالم الإسلام المتمثل آنذاك في الجامع الأزهر كان يغط في نوم عميق وثقيل، ولم يكن غير دوي المدافع وأزيز القذائف بقادر على أن يهز هذا العقل، ويفتح منافذ سمعه وبصره على العالم الجديد الذي جاء نابليون -ابن أوربا- يحمل طلائعه إلى العرب والمسلمين من غير قصد.

وهذا الانفجار المدوي، ترددت أصداؤه في أجواء الفضاء الفكري والثقافي الذي كان المسلمون قد ألفوه واستنامو إليه، وتبع ذلك انفطارات وانشطارات في عقول النخب من المثقفين والمفكرين؛ فازدادت الشكوك، واضطربت العقول، وعمَّت الفوضى، فلم يعد أحد يعرف صواباً من خطأ وحقًّا من باطل.

وقد نجم في خِضمِّ هذه الفوضى المعرفية عقولٌ كبيرة حاولت أن تعيد التوازن للذاهبين بعيدًا في مجافاة الدين من المتشكّكين والناقدين والقادحين… وحتى الذين انسلخو عنه وأنكروا وجوده تعالى، متّخذين من العلم إلهًا يتعبَّدون له من دون الله تعالى.. ونادت بأن على الأمة أن تلتمس الهداية من ذاتها، وأنه ليس من الصواب في شيء أن نشكّك في ملكات هذه الأمة، وفي عظمة ما يكتنـزه تراثها الفكري والروحي من قيم عالية، قادرة على إحياء مواتها من دون الحاجة إلى استعارة ذلك من خارجها، وأن القرآن نفسه يحثّ أمته على التفكر في النفس والتفكر في الكون ثم التفكر في الأرض التي نحيا على ظهرها، كما أن الرؤوس الكبيرة التي لا تنفك تطل على المسلم من بين سطور تاريخه، تمدُّ هذا الذهن بطاقات الحركة والنهوض.

فالنشاط الذهني ملكة نفسية لا زالت تنتقل بين أجيال المسلمين جيلا من بعد جيل، وإن الذي يقعد المسلم عن اللحاق بالركب الحضاري ليس بقصور في الملكات بل هو قصور في الهمم والإرادات. كما أن الهاوية السحيقة من الألم والعذاب الذي يتردَّى بها المسلم اليوم مسؤولة إلى حد بعيد عن إنهاك قواه الإدراكية والذهنية.. فنظرة عابرة إلى عابر سبيل من المسلمين تجعلك تلمس أيَّ هموم ينوء تحتها حتى لكأنه قد خرج للتو من تحت أطباق التراب، علما بأنه ما من أحد يستطيع أن ينكر أن ملكة المسلم العلمية كانت ملحوظة في كل تاريخه، وهي من قبيل النمو الطبيعي الذي يلازم حياته في أدوارها كلها.

ولعلَّ أكبر هذه العقول التي تصدَّت للهرطقات اللادينية عقلان كبيران كان لهما الأثر العظيم على عموم رقعة الإسلام. وإن أول هذين العقلين هو جمال الدين الأفغاني، وثانيهما محمد عبده تلميذه المخلص وساعده الأيمن.. كان الأفغاني يناضل من أجل حفز وجدان المسلم وابتعاث جيشان الحياة الجديدة فيه، ودفعه إلى معسكرها الذي كان منزويا في مكان قصي عنها.. وأما الثاني فهو رجل العقل والعلم ورافع راية التحضر، والناعي على العقلانيين لغَط عقولهم، وثرثرة ألسنتهم، والمنافح عن الإسلام باعتباره قمة حقائق الوجود، وأنه القوة الحية التي ما لامست عقلاً إلا بعثت فيه من قوى الإدراك ما يحفزه للنظر والتأمل والعمل.. لقد استطاع محمد عبده أن يقدح بشعاع فكره زناد جم غفير من الأذهان، فانبعثت أفكارها وتجددت حيويتها.. ولا نكون مغالين إذا قلنا إن قوة الفكر مظهر من مظاهر قوة الله وعظمته تمتزج بالنفس وتجري مع الروح؛ وإلى قوة هذا الفكر نعزو ما تلاه من المفكرين من أمثال رشيد رضا وحسن البنّا والنورسي وإقبال والمودودي وفتح الله كولن… هذه النجوم الوضاءة في سماء العالم الإسلامي والتي لا زال بريقها وألقها يصنع العقول والنفوس ويفتح الطريق للمزيد من الإبداع والتجديد.

فما من أحد من هؤلاء الأفذاذ وضع حول عقل المسلم قيودا تمنعه من الحراك نحو غدٍ أفضل وفكر أكثر إبداعا من أفكارهم وفهم أشمل من أفهامهم مستعينين بتلك الإرادات الصالحة التي تهرع دوما لمساعدة الإنسان الذي يبتغي الصلاح ويريد التقدم إلى أمام.

أما الذين يريدون أن يفرغوا الإسلام -وهو حياة كله- من الحياة، أو ينظرون إلى الإنسان ككيان حيواني خلو من الإنسانية وتشكيل جسدي خلو من الروح، إنما يريدون أن يقلبوا الموازين ويزيفوا الحقائق ويمتهنوا الإنسان.. فهؤلاء هم أخطر أنواع البشر على البشرية بل البشرية منهم براء.. فالذكاء الذي أراد هؤلاء الأقطاب من المفكرين أن يبعثوه في أذهاننا من جديد أثار الكثير من التوترات الداخلية في أعماق نفس المسلم. وهو على كل حال إرهاص يدل على يقظة طال انتظارها. ولكي يكونوا أكثر واقعية فقد نشروا أمامنا سجلاًّ حافلاً بأمراضنا الروحية والعقلية التي نعاني منها، لكي نعمل على معالجتها والخلاص منها.. لقد أفهمونا أن حشودنا البشرية حشود نملية يمكن أن تكون مواطئ أقدام الآخرين إذا نحن لم نرتقِ بأذهاننا إلى مستويات عالية التفكير نعلو بها عن أن نكون مداسات للآخرين.. إنه الضد الفكري الذي يرتفع بهذه المجتمعات النملية إلى ما فوق مواطئ الأقدام.

لقد قاوموا الخمود في الأذهان والأرواح، واعتبروا المسلم يساوي في كفتي ميزانه ما كان وما هو كائن الآن.. جمود عقلي ينبغي أن يربأ المسلم بنفسه عن الوقوع فيه، فهو يتجاوز غيره بقوة ما يمتلكه من رغبات في إدراك الجوهر الديني في دواخله وفي دواخل الأشياء، ففي صميم ذهنيته ينقلب كل معلوم أو مشهود إلى سؤال كبير يجب البحث عن جوابه في النفس والكون والحياة. وهذا الجواب هو مفتاح كل المعارف والعلوم التي تكاد تغرق الإنسان المعاصر وتهلكه في دوامتها المرعبة!

فبارقة إلهامية لدنّية واحدة إذا ما برقت في سماء النفس، تساوي جميع الأفكار التي حاول الآخرون حشرها في أذهاننا خلال سني أعمارنا.. فما من فكر عظيم إلا وهو قدْحة من قدحات هذه اللدنّية الإلهية لتعيننا في ضعفنا على مصاولة أهوال الحياة، غير أننا بسوء فهمنا وشدة غرورنا نظن أننا بنينا الحضارات، وأقمنا المدنيات بقوة أفكارنا وشدة سواعدنا من غير معين أو دليل.. وهذا الظن هو الكفران بعينه الذي ينخر بأسس الحضارات وبأسس حضارة اليوم… فقوة أفكارنا ليست إلا مظهرا من مظاهر اللدنّية الإلهية وعظمتها، ومن هنا تتوضح أمامنا حقيقة قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾(الكهف:65) فتأتينا على موج فكري موصول الجريان بيننا وبين عقل الوجود الأقدس، فيعطينا منها على قدر ضئالة عقولنا وقصور أفهامنا، وهي رغبة قدرية دافعة للإنسان لكي يشارك الأقدار في صنع عقل الإنسان ورسم مصائره في هذا العالم.

ففي قصة موسى (عليه السلام) مع العبد الصالح كما جاءت في القرآن الكريم مصداق هذه المشاركة الحميمية بين القدر والإنسان في صنع الوقائع والأحداث.. فالعبد الصالح كان يد القدر في خرْق السفينة وقتْل الغلام وإقامة الجدار، فوُجوده في قلب الحدث رمز وإيماء إلى أن وجود الإنسان في هذا الكون مهمّ لا غنى عنه لما يمثل على هذه الأرض من فصول التاريخ البشري.!

فمن دون الإنسان لا يبقى أرض ولا مسرح ولا تمثيل ولا ممثلون ولا مأساة ولا ملهاة ولا تاريخ.!

فنفس هذا المسلم المثالي الطموح إذا ما تثقفت بالإسلام، وترقت واستنارت، علتْ على التوافه والصغائر، وطمحت إلى البطولة في الفكر والسلوك والعمل، فصارت محصنة عصية على الاقتحام، عصية على الاستلاب، فلا يمكن أن تهوي من هذا الشاهق البطولي إلى أي درك من دركات الهبوط.

فحقيق بصاحب هذه النفس أن يحرص على وجودها معه، فلا يفقدها أبدا، لأنها ستظل ملازمة له حتى دخوله عالم الخلود، لأنها هي النفس التي خاطبها ربّ النفوس بقوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾(الفجر:27-30).

فتاريخ هذه النفس على هذه الأرض إنما هو سجل حافل بوقائع كفاحها البطولي للخلاص من الفناء المطلق للعودة من جديد إلى ذروة الوجود المطلق، من البصر إلى البصيرة، ومن عينين محدودتي النظر إلى عينين روحيتين مطلقتي النظر، من المادي إلى غير المادي، من التقليدي إلى الإبداعي، من التسطح إلى التعمق، من سكونية الشواطئ إلى فوران الأعماق، من غلاظة الحس إلى رهافته، ومن تشتت المشاعر إلى توحدها… هذه هي النفس العميقة والشمولية التي يحفها الجلال ويغشاها الجمال، وهي وحدها الجديرة بالخطاب الرباني آنف الذكر.!

Share:

More Posts

عمى النظام

إنّ الذين يعملون داخل نظامٍ وكيانٍ معيّن قد يُصابون مع مرور الوقت بما يُسمى “عمى النظام”؛ أو ما يمكن أن نسميه بالرتابة والاستسلام للإلف والتعوّد، فلا جَرَمَ أنّ تكرار الأعمال على الدوام بشكلٍ معين وتنسيقٍ محدَّدٍ روتينيٍّ يؤدّي إلى الرتابة، فإن لم يُراجَع هذا النظام ويُجدَّد على فترات معينة، ولم تُسدَّ الثغرات وتُكمَّل النواقص؛ حصل…

آفة الدين ثلاثة

سؤال: جاء في الحديث: “آفَةُ الدِّینِ ثَلَاثَةٌ: فَقِیهٌ فَاجِرٌ وَإِمَامٌ جَائِرٌ وَمُجْتَهِدٌ جَاهِلٌ”[1]، فما السمات المشتركة التي جعلت من هذه الفئات الثلاث المذكورة في الحديث آفةً للدين؟
الجواب: رغم أن هذا القول الذي رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد انتُقد من حيث ضوابط ومعايير علم مصطلح الحديث فلا شك أنه يعبّر من حيث المعنى عن حقيقة مهمّة…

الإسلام مبنيٌّ على اليُسْرِ

سؤال: بما أنّ الإسلامَ دينُ يُسرٍ وليس دينَ عسرٍ؛ فلماذا تصعب على أجيال اليوم معايشة الإسلام الحقيقي؟ وكيف نفهم هذا الوضع الذي يبدو متناقضًا في الظاهر؟
الجواب: حتى نفهم المسألة فهمًا صحيحًا لا بد أن نؤكد بدايةً على أن العسر واليسر مفهومان نسبيان؛ بمعنى أن هذه المسألة تختلف تبعًا لفهم الأفراد وتصوراتهم، فقد يجد البعض صعوبةً في أداء…

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

سؤال: أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وحثنا بوسائل شتى على الصلاة والسلام عليه، فكيف نفهم هذه الوصية؟ وكيف ننفذ هذا الأمر؟
الجواب: حثنا النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في السؤال- على الصلاة والسلام عليه في كثير من أحاديثه المباركة، ومن ذلك قوله: “إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فِي الدُّنْيَا”[1]،…

الذنب والتوبة

لم يكن الحسدُ والكبرُ والعصيانُ فحسب السببَ في طرد الشيطان من الحضرة الإلهية، إنما قيامُه بعد العصيان باختلاق المبررات والأعذار، ولُجوؤه إلى الجدل، ومحاولتُه تبريرَ خطيئته.. وعلى الجانب الآخر فقد استوعب أصحابُ الطبائع السليمة دقّةَ الامتثال للأمر؛ فما إن تعثّروا وسقطوا حتى نهضوا واستقاموا وتوجهوا إلى الباب الذي عليهم أن يتوجهوا إليه، وسألوا الله العفو…

لمحات حول تطوير الفقه الإسلامي

سؤال: ما نوع الدراسات التي توصي بإجرائها في مجال الفقه كي يتسنى التغلب على الركود المستمر منذ ثلاثة أو أربعة قرون؟
الجواب: بداية ثمة فائدة في التذكير بأمر ما يتعلق بالموضوع، ألا وهو أن علم الفقه معجزة من معجزات القرآن والفكر الإسلامي؛ فقد نظم الفقهاء المسلمون الحياة بأدقِّ تفاصيلها من خلال الأحكام التي توصلوا إليها كنتاج لعمل جاد،…

“فوائد قصة “هابيل” و”قابيل

سؤال: ما الرسائل المراد إيصالها إلى المؤمنين من خلال قصة “هابيل” و”قابيل”؟
الجواب: أودّ أن أتطرّق إلى مبدإٍ عام قبل الإجابة على هذا السؤال، فمن المؤكد أن لكل واقعة مذكورة في القرآن الكريم جانبًا يهمّنا، وعلينا أن نعثر على جوانبها التي تتعلق بيومنا، ونأخذ العبرة والدروس منها؛ فالقرآن لا يتحدث عن الماضي سردًا لمعلومات تاريخية فحسب؛ بل إنه…

قَدَرُ الطريق

في مواجهة المظالم المعيشة في يومنا، يعاني الكثير منا المشاعر نفسها ونحمل الأفكار عينها في كل حركاتنا وسكناتنا؛ فينقضُّ نومنا، ونئنّ ألمًا وحزنًا، ومع ذلك نؤمن تمامًا بأنه إذا استطعنا أن نواجه بصبرٍ ورضًا البلايا والمصائب التي نتعرّض لها، فإن جميع المشاكل والصعوبات التي نعانيها في هذا العالم ستكون وسيلة مهمة لفوزنا في الآخرة، وإن…

السبيل إلى الحفاظ على الحياة الروحية

سؤال: كيف نحافظُ على النقاء المعهود في أيام الخدمة الأولى، ونستمرُّ في مواصلة الشد المعنوي، وتنشئةِ رجالٍ جددٍ للدّعوة؟
الجواب: بداية أودّ أن أؤكّد على حقيقة أُشيرَ إليها في السؤال، ألا وهي أن الناس كانوا في السنوات الأولى من الخدمة مخلصين ومضحّين للغاية.. فلم يكن لديهم مطلبٌ سوى رضا الله، وكان الوفاق والاتفاق رائعًا بين المتطوعين في الخدمة…..

الموقف الثابت والأقنعة الساقطة

كلُّ مشكلةٍ ومعاناةٍ تعيشها تكون حبلى بالبهجة والسرور، وبالتالي يجب عليك أن تتحمل فترة الحمل.. فإذا كنت تريد أن يكون لديك ابنٌ كهالة النور وأن تضمّه إلى حضنك، فعليك أن تتحمل المتاعب التي ستتعرض لها قبل ذلك وأن تعمل على مواجهتها بصبرٍ، وهذا بالطبع ليس بالأمر السهل، ولكنك ستشعر بعد ذلك بفرحة تنسيك معاناتك السابقة،…

Send Us A Message