3- علاقة القرآن بالقلب

لابد أن ينظم المبلّغ قلبه وضميره وفق القرآن الكريم ويجعله متناغماً معه. ويعبّر القرآن الكريم عن هذا بالآية الكريمة الآتية: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾(ق:37).

نعم، إن القرآن الكريم كتاب وعظ وإرشاد وذكر وتذكير، ولكن الشرط الأساس للاستفادة من القرآن من هذه الجهة هو انفتاح القلوب نحوه. ولأجل ذلك على القارئ أن يسدد نظره ويلقى سمعه نحو القرآن. وأن يتوجه إلى القرآن الكريم بكيانه كله، إذ من المحال الاستفادة من القرآن على الوجه المطلوب باتباع سبيل آخر. حيث إن من لا ينظم أطواره وفق هذا النسق لا يستطيع أن يرى الجهة المعجزة المنورة للقرآن، فلا يميز كلام الله عن كلام إنسانٍ ما. ومن هبط إلى هذا الدرك لا يرجى منه أن يؤدي عملاً ما باسم القرآن، لأن القرآن يعقب بعد قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ بقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾. أي إنه كلام رب العالمين، لا ريب فيه، ولكن لا يستفيد منه على الوجه المطلوب إلاّ المتقون. والمتقون هم أفضل الناس معرفة بالشريعة الفطرية؛ فكما لا يكون المهمل متقياً، لا يستفيد من القرآن أيضاً، حيث إن قلبه قد مات، والآية الكريمة تبين ذلك: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾(محمد:20).

ترى ماذا سيفهم من القرآن ومن كلام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من ينظر إليه نظر المغشي عليه من الموت؟ لا شيء قطعاً. ولكن الذي يسدد قلبه نحو القرآن يستشعر بالحوادث التي تجري في الكائنات كنبضات قلبه. لماذا؟ لأنه أوجد وحدة بينه وبين الكائنات؛ فالذين لا يملكون القدرة على جس نبض الحوادث لا يقال عنهم إنهم يعملون شيئاً كثيراً للإرشاد؛ إذ إن هذا الأمر ذو علاقة بكيفية النظر إلى القرآن ككل.

وإذا ما اقتربنا إلى المسألة نفسها من زاوية أخرى نقول: إن أول شرط لا يستغنى عنه المبلّغ قط هو تطبيقه الآيات الكونية الظاهرة في الآفاق والأنفسي على الآيات القرآنية المتلوّة، ومن ثم صياغة مركب منهما. وبمقدار نجاحه في هذا الميدان يوفَّق في تبليغه وإرشاده. وبخلافه لا شيء إلاّ الإسراف له ولمخاطبيه.

نعم، إن المبلّغ يتصف بكامل كيانه بالصفات الإسلامية، وجميعُ أطواره وأحواله تدل على حيازته لها. وإن القدرة على تحليل الآيات الآفاقية والأنفسية وصياغة تركيب منهما لا تفارق المبلّغ، فضلاً عن الاتصاف باللطف والنـزاهة والشفقة والنظام وأمثالها من الصفات التي تجعل المؤمن مؤمناً حقاً.

وبتعبير آخر: كما أن كل صفة من صفات الكافر ليست بكافرة فكل صفة من صفات المؤمن أيضاً ليست بمؤمنة، وربما تكمن صفاتٌ مؤمنةٌ في تقدم الكفار في الوقت الحاضر في كثير من النواحي في أرجاء الدنيا، وان تلوثنا بصفاتهم الكافرة سبب انهزامنا. والحال ينبغي على المؤمن أن يتصف ويتشبث بكل صفة من صفات المؤمن، ولاسيما المبلّغون عليهم أن يسبقوا المؤمنين في التحلي بهذه الصفات بخطوات. فالمؤمن إنسان اللطف، وإنسان النـزاهة، ومثال للشفقة والرحمة… وهو بهذه الصفات يرى الكائنات أنها مهد الرحمة، موطن الأخوة.. والمؤمن حياته منظمة بكاملها، لا يمر عليه آن إلاّ وهو منوّر، لا يعرف الإسراف في الوقت. وليس له قضاء الوقت في المقاهي، لأنه لم يرد شيء من هذا القبيل في السيرة المطهرة، بل موقعه خارج مسكنه المساجد والمعابد ومواضع تبليغ دعوته إلى المحتاجين، فهو محمّل بالمعرفة ومشحون بالعرفان وأبعد من يكون عن الأمور الاعتباطية، إذ هو رجـل منهج وخطة دوماً، وهو الخبير بالعلاقة بين السبب والمسبب وهو النافذ نفوذاً تاماً إلى روح الأشياء.

نعم، مثلما ذكرنا أعلاه، إن سبب تفوق الغرب في الوقت الحاضر هو ما أخذوه من صفات المسلمين، لذا تراهم يجولون في الذرى. بينما تحوّل العالم الإسلامي إلى حمّال رذائل صفاتهم، فهو عندما يأتي إلى المسجد يلقي صفاتهم كالمعطف على كتفه، والآخر يسعى إلى الكنيسة بالصفات التي تخص المسلمين. بمعنى أن الغالب في الوقت الحاضر ليس الغرب نفسه، وإنما الصفات الإسلامية التي فيهم. وكذا المغلوبون ليسوا هم المسلمين بل الصفات الكافرة التي قلّدوها. فلا نجاة لنا حقاً إلاّ باعتصامنا القوىّ بالقرآن الكريم.

Share:

More Posts

عمى النظام

إنّ الذين يعملون داخل نظامٍ وكيانٍ معيّن قد يُصابون مع مرور الوقت بما يُسمى “عمى النظام”؛ أو ما يمكن أن نسميه بالرتابة والاستسلام للإلف والتعوّد، فلا جَرَمَ أنّ تكرار الأعمال على الدوام بشكلٍ معين وتنسيقٍ محدَّدٍ روتينيٍّ يؤدّي إلى الرتابة، فإن لم يُراجَع هذا النظام ويُجدَّد على فترات معينة، ولم تُسدَّ الثغرات وتُكمَّل النواقص؛ حصل…

آفة الدين ثلاثة

سؤال: جاء في الحديث: “آفَةُ الدِّینِ ثَلَاثَةٌ: فَقِیهٌ فَاجِرٌ وَإِمَامٌ جَائِرٌ وَمُجْتَهِدٌ جَاهِلٌ”[1]، فما السمات المشتركة التي جعلت من هذه الفئات الثلاث المذكورة في الحديث آفةً للدين؟
الجواب: رغم أن هذا القول الذي رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد انتُقد من حيث ضوابط ومعايير علم مصطلح الحديث فلا شك أنه يعبّر من حيث المعنى عن حقيقة مهمّة…

الإسلام مبنيٌّ على اليُسْرِ

سؤال: بما أنّ الإسلامَ دينُ يُسرٍ وليس دينَ عسرٍ؛ فلماذا تصعب على أجيال اليوم معايشة الإسلام الحقيقي؟ وكيف نفهم هذا الوضع الذي يبدو متناقضًا في الظاهر؟
الجواب: حتى نفهم المسألة فهمًا صحيحًا لا بد أن نؤكد بدايةً على أن العسر واليسر مفهومان نسبيان؛ بمعنى أن هذه المسألة تختلف تبعًا لفهم الأفراد وتصوراتهم، فقد يجد البعض صعوبةً في أداء…

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

سؤال: أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وحثنا بوسائل شتى على الصلاة والسلام عليه، فكيف نفهم هذه الوصية؟ وكيف ننفذ هذا الأمر؟
الجواب: حثنا النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في السؤال- على الصلاة والسلام عليه في كثير من أحاديثه المباركة، ومن ذلك قوله: “إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فِي الدُّنْيَا”[1]،…

الذنب والتوبة

لم يكن الحسدُ والكبرُ والعصيانُ فحسب السببَ في طرد الشيطان من الحضرة الإلهية، إنما قيامُه بعد العصيان باختلاق المبررات والأعذار، ولُجوؤه إلى الجدل، ومحاولتُه تبريرَ خطيئته.. وعلى الجانب الآخر فقد استوعب أصحابُ الطبائع السليمة دقّةَ الامتثال للأمر؛ فما إن تعثّروا وسقطوا حتى نهضوا واستقاموا وتوجهوا إلى الباب الذي عليهم أن يتوجهوا إليه، وسألوا الله العفو…

لمحات حول تطوير الفقه الإسلامي

سؤال: ما نوع الدراسات التي توصي بإجرائها في مجال الفقه كي يتسنى التغلب على الركود المستمر منذ ثلاثة أو أربعة قرون؟
الجواب: بداية ثمة فائدة في التذكير بأمر ما يتعلق بالموضوع، ألا وهو أن علم الفقه معجزة من معجزات القرآن والفكر الإسلامي؛ فقد نظم الفقهاء المسلمون الحياة بأدقِّ تفاصيلها من خلال الأحكام التي توصلوا إليها كنتاج لعمل جاد،…

“فوائد قصة “هابيل” و”قابيل

سؤال: ما الرسائل المراد إيصالها إلى المؤمنين من خلال قصة “هابيل” و”قابيل”؟
الجواب: أودّ أن أتطرّق إلى مبدإٍ عام قبل الإجابة على هذا السؤال، فمن المؤكد أن لكل واقعة مذكورة في القرآن الكريم جانبًا يهمّنا، وعلينا أن نعثر على جوانبها التي تتعلق بيومنا، ونأخذ العبرة والدروس منها؛ فالقرآن لا يتحدث عن الماضي سردًا لمعلومات تاريخية فحسب؛ بل إنه…

قَدَرُ الطريق

في مواجهة المظالم المعيشة في يومنا، يعاني الكثير منا المشاعر نفسها ونحمل الأفكار عينها في كل حركاتنا وسكناتنا؛ فينقضُّ نومنا، ونئنّ ألمًا وحزنًا، ومع ذلك نؤمن تمامًا بأنه إذا استطعنا أن نواجه بصبرٍ ورضًا البلايا والمصائب التي نتعرّض لها، فإن جميع المشاكل والصعوبات التي نعانيها في هذا العالم ستكون وسيلة مهمة لفوزنا في الآخرة، وإن…

السبيل إلى الحفاظ على الحياة الروحية

سؤال: كيف نحافظُ على النقاء المعهود في أيام الخدمة الأولى، ونستمرُّ في مواصلة الشد المعنوي، وتنشئةِ رجالٍ جددٍ للدّعوة؟
الجواب: بداية أودّ أن أؤكّد على حقيقة أُشيرَ إليها في السؤال، ألا وهي أن الناس كانوا في السنوات الأولى من الخدمة مخلصين ومضحّين للغاية.. فلم يكن لديهم مطلبٌ سوى رضا الله، وكان الوفاق والاتفاق رائعًا بين المتطوعين في الخدمة…..

الموقف الثابت والأقنعة الساقطة

كلُّ مشكلةٍ ومعاناةٍ تعيشها تكون حبلى بالبهجة والسرور، وبالتالي يجب عليك أن تتحمل فترة الحمل.. فإذا كنت تريد أن يكون لديك ابنٌ كهالة النور وأن تضمّه إلى حضنك، فعليك أن تتحمل المتاعب التي ستتعرض لها قبل ذلك وأن تعمل على مواجهتها بصبرٍ، وهذا بالطبع ليس بالأمر السهل، ولكنك ستشعر بعد ذلك بفرحة تنسيك معاناتك السابقة،…

Send Us A Message