السؤال: الله تعالى واحد، ولكنه في كل مكان… أيمكن إيضاح هذا؟

الجواب: الله تعالى واحد أحد، ومع ذلك فهو موجود وحاضر بعلمه وقدرته في كل مكان وفي كل زمان. وعندما نقول هذا لا نعني أنه تعالى يشغل حيزاً مكانياً كسائر الأجسام. عندما نقول إنه واحد أحد فإننا نشير إلى جلاله وإلى عظَمته ونعبّر عنهما. وعندما نقول إنه في كل مكان نقصد أنه موجود برحمانيته ورحيميته وعلمه وقدرته في كل مكان وهو -بلا تشبيه، فللّه المثل الأعلى- كأشعّة الشمس التي مع أنها تلامس رؤوسنا إلاّ أنها بعيدة عنا ولا نستطيع الوصول إليها. أي أن الله تعالى مع أنه يحيط بنا بصفاته هذه، وأقرب إلينا من حَبل الوريد إلاّ أننا لا نملك الوصول إليه في علْيائه. أجل! إن الله تعالى يقول: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ق:16).

إذن فالله تعالى الذي هو أقرب إليّ من حبل الوريد لا بد وأنه حاكم ومسيطر في كل مكان وخارج حدود الكمّية والكيفية. فهو ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (الأنفال:24). إذن فهو أقرب إلي من قلبي. فإن قلتُ: "إن الله في قلبي" فهو كلام صحيح. لأنه يعلم عني أكثر مما أعلم عن نفسي، ثم ﴿وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ (الأنفال:17). أي أن الله تعالى هو الذي رمى في معركة بدر وفي غيرها من المعارك باسم الرسول صلى الله عليه وسلم. إذن فهو يؤثّر في كل شيء حتى في الرّمْي. إذن فهو في كل مكان حسب هذه الآية وغيرها من الآيات وهي تبين لنا أن الله تعالى حاضر ومسيطر في كل مكان بقدرته وعلمه وبرحمانيته ورحيميته وبجماله وجلاله وبعلمه وإرادته وبسائر صفاته الأخرى.

وهو مع هذا واحد أحد وذلك حسب الآيات العديدة في القرآن وحسب اقتضاء الحقائق الكونية. ولو كان هناك إلَهان -حاشاه- لفسدت السماء والأرض. وهذا هو ما يسجله القرآن الكريم ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الأنبياء:22). أي لتصادمت النجوم وانفجرت، وتصادمت الذرّات بعضها مع البعض الآخر. ولأدّت أشعّة الشمس الواصلة إلى الأرض إلى سلسلة من الفعاليات الأشعاعية لليُورَانْيُوم ولَما بقي هناك شيء حيّ على وجه الأرض.

وكان علماء الكلام السابقون يُطلقون على هذا اسم "بُرهان التمانع". وحسب هذا البرهان فاللهُ واحد ولا يمكن أن يكون هناك إلهان اثنان. لأن شأن أي شيء صغير -كقيادة سفينة مثلاً- يكون مصيره الاضطراب إن تدخّلت فيه يدان اثنتان. ولو وضعت عجلتان للقيادة في سيارة وتركت قيادة السيارة لسائقَين لكان الاضطراب والاصطدام نتيجة مثل هذه القيادة على الرغم من وجود طرق مبلطة وجيدة. لذا كان الاضطراب هو مصير الكون لو تمت إدارته وتنظيمه من قبل أرادتَين مستقلتين وحرّتين.

لذا نرى أن قدراً سرّيّاً يجري في هذا الكون الهائل المنظم غاية التنظيم بدءً من العالم الكبير "الكون"، إلى العالم المتوسط "عالم الإنسان"، إلى العالم الصغير "عالم الذرات". وهذا النظام والتناسق والتناغم الموجود في هذه العوالم يحتاج إلى خطة علمية. ويحتاج إلى قدرة وإرادة لإخراجه من مرحلة التخطيط إلى مرحلة الوجود. ثم يحتاج إلى دوام المراقبة والسيطرة. وكل هذا في حاجة إلى إدارة واحدة وذات واحد أحد. فحتى الإنسان يرفض أن يتدخل أحد في شؤونه الخاصة وفي عمله، وذلك حسب ما يطلقون عليه اسم "قانون ردّ التدخل". فكيف يستطيع أحد أن يتدخل في شؤون الله تعالى في تنظيم الأمور المتداخلة والمعقدة لهذا الكون الهائل؟!

لذا قلنا بأنه لو تدخل في كتاب هذا الكون وفي معمله ومصنعه أو في ساعته يدان اثنتان لفسد الكون بأكمله. وبما أنه ليس كَوناً مضطرباً أو فاسداً، بل هو منظّم غاية التنظيم إذن فصاحبُه ومالكُه وخالقه واحد أحد. والآن لنتناول الموضوع من جانب الضمير:

إن الحوادث الجارية من حولنا تُبَرهن -سواء على مستوى عالمنا الداخلي أم على المستوى الواقعي- بأن الله تعالى هو المستند الوحيد وهو الملجأ الوحيد. ذلك لأنني باعتباري إنساناً عاجزاً وفقيراً أرفع يديّ بالضراعة مُدركاً عجزي وفقري وكأني على خشبة مكسورة في خضمّ محيط هائج واهتف قائلاً: "يارب! يارب!" وأنا أشعر في أعماق قلبي بأن هناك من يسمَعني. ولكي يسمعني لا بد أن يكون حاضراً وناظراً في كل مكان وأن يكون ربّاً للعالمين، بحيث عندما يسمع ضراعتي يسمع في الوقت نفسه ضراعة نملة وحاجتها إليه جل جلاله وطلبها منه.

إذن فهو أقرب إلى النملة من نفسها؛ والأدعية المقبولة على مستوى العالم تبيّن هذه الحقيقة. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ سلَيمان بن داود خرج هو وأصحابه يستسقون فرأَى نملةً قائمة رافعة إحدى قوائمها تستسقي، فقال لأصحابه: ارجعوا فقد سقيتم إن هذه النملة استسقت فاستجيب لها».[1]

كل موجود في هذا العالم يتوجه إلى الله تعالى ويتقدم إليه بحاجته ويدعوه ويتضرع إليه. والله تعالى يستجيب لهذه الأدعية ويكشف لنا هذه الحقيقة عندما يقول ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إذَا دَعَاهُ﴾ (النمل:62). ثم أليست ضمائرنا شاهدة على هذا؟

إذن فالله تعالى موجود في كل مكان يسمع كلّ صوت ويرى حال الجميع ويسرع لنجدة الجميع ويتجلى للجميع برحمانيته ورحيميته؛ لذا فهو عظيم جليل عزيز لا يحتاج إلى مساعدة أحد، لأنه قادر على إنجاز كل شيء وَحْده، خلْقُ الجنة سهْل عليه كسهولة خلق الرّبيع. وينبع هذا من عظمته وجلاله ووحدانيته. وهو في كل مكان وفي كل موضع يرى ويسمع ولكن ليس كجسم يشغل حيزاً في الفراغ أو في المكان، فهو بأسمائه الحسنى وصفاته مبرَّأ ومنـزَّه عن الكمّية وعن الكَيْفية عندما يكون حاضراً في كل مكان، وهذا تجلٍّ من تجليات أحَديته وجماله ورحمانيّته ورحيميّته.

وهاكم شاهداً على هذا: لو سحب ماء عيني ولم يعط لها الماء لأصبت بمرض جفاف العين، إذن فهو يرى عيني كل دقيقة؛ لذا فهو يرطبها ليحفظها من المرض. إذن فلا بد من وجود من يعطي لي العين لتكون وسيلة لي لرؤية الأشياء ويرى عيني ويعلم ما تراه عيني لتتم كل هذه الأمور. ومثلاً: يجب أن يكون هناك من يقوم بترطيب اللّقمة عند تناول الطعام لكي يتم هضمه ويرسل الشفرات إلى معدتي ويحرك فكّي، ويرسل الغذاء إلى الخلايا التي تحتاجه بشكل عادل لكي تستمر حياتي. لذا نقول: "ان أسماء ربنا تتجلى علينا برحمانيته ورحيميته". ولو لم يكن ربّنا مَوجوداً في كل مكان يسمع ويرى إذن لجفّت اللقمة في فمي ولنـزلت إلى المعدة وكأنها حجر صلد، ولَما توزّع الغذاء إلى الخلايا بشكل عادل. نفهم من كل هذا أن الله تعالى أقرب إلينا من أنفسنا. أجل!.. فالله تعالى بتجليات أسمائه الحسنى أقرب إلينا من حبل الوريد، ولكننا -بخصائصنا البشرية- بعيدون عنه بعداً كبيراً. ولكن كيف نستطيع التوفيق بين هذين الأمرين؟

نشرح ذلك بمثال. إن الشمس قريبة منا جدّاً، ولكننا بعيدون عنها. والشمس واحدة، ولكنها تلاطف رؤوسنا كل يوم بإشعاعاتها المختلفة الأطوال، وتنضج لنا الأثمار على الأشجار. وحرارة الشمس وضياؤها وألوانها هي بمثابة صفات مختلفة لها. فلو كانت لحرارتها قدرة، ولضيائها علم، ولألوانها السَّبعة حواسّ كالرؤية والسمع لَكانت الشمس أقرب إلينا من أنفسنا وأجرت تصرّفاتها معَنا. هذا مع أن الشمس جسم كثيف ومادّي، فهي تحتوي على الهيدْرُوجِين الذي ينقلب على الدوام إلى الهيلْيُوم وتنطلق من تحول ملايين الأطنان من الهيدروجين إلى الهيليوم طاقة كبيرة على شكل أشعاع وضوء يصل إلينا وإلى أماكن أخرى، مع العلم أن الشمس أولاً وأخيراً جسم ماديّ، بينما الله سبحانه وتعالى منـزَّه عن المادة ومبرأ عنها، فالله تعالى ليس ضوءً ولا أشعاعاً ولا ذرّة، بل هو خالق هذه الموجودات، لذا فهو يختلف عنها.

فالله تعالى مُنوِّر النور، ومُصوّر النور، ومُشكّل النور، فهو منبع النور، وهو خالق النور؛ فكل أنواع الأنوار والأضواء وكل أنواع الحرارة والألوان في قبضة تصرّفه. فإن كانت هذه هي حال الشمس التي هي مخلوقة من قِبَله تعالى فلا شكّ أن الله تعالى الواحد منذ الأزل يكون حاضراً وناظراً في كل مكان.

ثم إن الملائكة الكرام أن تكون موجودة في اللحظة نفسها في أماكن عدة. كما أن الجنّ أيضاً يمكن أن يكون مَوجوداً في عدّة أماكن في نفس الوقت. وكذلك يستطيع الشَّيطان الأكبر التأثير في كثير من الناس في اللحظة نفسها على الرغم من أنه شيطان واحد. لأنه يستطيع إرسال وَسْوسته إلى العديد من الناس في اللحظة نفسها، أي يستطيع التأثير عليهم في نفس الوقت.

فإذا كان لبعض مخلوقات الله تعالى -حتى بعض المخلوقات الحقيرة والعاجزة- مثل هذه القابليات فلِمَ لا تكون لأسماء الله تعالى -وهو الحي القيوم- مثل هذه التجليات ومثل هذا الحضور والرقابة في كل مكان؟

الهوامش

[1] المصنف لعبد الرزاق، 3/95؛ المصنف لابن أبي شيبة، 6/62.

المصدر: مسجد “بُورْنُوَا”، 12 مايو 1978؛ الترجمة عن التركية: اورخان محمد علي.

Share:

More Posts

عمى النظام

إنّ الذين يعملون داخل نظامٍ وكيانٍ معيّن قد يُصابون مع مرور الوقت بما يُسمى “عمى النظام”؛ أو ما يمكن أن نسميه بالرتابة والاستسلام للإلف والتعوّد، فلا جَرَمَ أنّ تكرار الأعمال على الدوام بشكلٍ معين وتنسيقٍ محدَّدٍ روتينيٍّ يؤدّي إلى الرتابة، فإن لم يُراجَع هذا النظام ويُجدَّد على فترات معينة، ولم تُسدَّ الثغرات وتُكمَّل النواقص؛ حصل…

آفة الدين ثلاثة

سؤال: جاء في الحديث: “آفَةُ الدِّینِ ثَلَاثَةٌ: فَقِیهٌ فَاجِرٌ وَإِمَامٌ جَائِرٌ وَمُجْتَهِدٌ جَاهِلٌ”[1]، فما السمات المشتركة التي جعلت من هذه الفئات الثلاث المذكورة في الحديث آفةً للدين؟
الجواب: رغم أن هذا القول الذي رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد انتُقد من حيث ضوابط ومعايير علم مصطلح الحديث فلا شك أنه يعبّر من حيث المعنى عن حقيقة مهمّة…

الإسلام مبنيٌّ على اليُسْرِ

سؤال: بما أنّ الإسلامَ دينُ يُسرٍ وليس دينَ عسرٍ؛ فلماذا تصعب على أجيال اليوم معايشة الإسلام الحقيقي؟ وكيف نفهم هذا الوضع الذي يبدو متناقضًا في الظاهر؟
الجواب: حتى نفهم المسألة فهمًا صحيحًا لا بد أن نؤكد بدايةً على أن العسر واليسر مفهومان نسبيان؛ بمعنى أن هذه المسألة تختلف تبعًا لفهم الأفراد وتصوراتهم، فقد يجد البعض صعوبةً في أداء…

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

سؤال: أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وحثنا بوسائل شتى على الصلاة والسلام عليه، فكيف نفهم هذه الوصية؟ وكيف ننفذ هذا الأمر؟
الجواب: حثنا النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في السؤال- على الصلاة والسلام عليه في كثير من أحاديثه المباركة، ومن ذلك قوله: “إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فِي الدُّنْيَا”[1]،…

الذنب والتوبة

لم يكن الحسدُ والكبرُ والعصيانُ فحسب السببَ في طرد الشيطان من الحضرة الإلهية، إنما قيامُه بعد العصيان باختلاق المبررات والأعذار، ولُجوؤه إلى الجدل، ومحاولتُه تبريرَ خطيئته.. وعلى الجانب الآخر فقد استوعب أصحابُ الطبائع السليمة دقّةَ الامتثال للأمر؛ فما إن تعثّروا وسقطوا حتى نهضوا واستقاموا وتوجهوا إلى الباب الذي عليهم أن يتوجهوا إليه، وسألوا الله العفو…

لمحات حول تطوير الفقه الإسلامي

سؤال: ما نوع الدراسات التي توصي بإجرائها في مجال الفقه كي يتسنى التغلب على الركود المستمر منذ ثلاثة أو أربعة قرون؟
الجواب: بداية ثمة فائدة في التذكير بأمر ما يتعلق بالموضوع، ألا وهو أن علم الفقه معجزة من معجزات القرآن والفكر الإسلامي؛ فقد نظم الفقهاء المسلمون الحياة بأدقِّ تفاصيلها من خلال الأحكام التي توصلوا إليها كنتاج لعمل جاد،…

“فوائد قصة “هابيل” و”قابيل

سؤال: ما الرسائل المراد إيصالها إلى المؤمنين من خلال قصة “هابيل” و”قابيل”؟
الجواب: أودّ أن أتطرّق إلى مبدإٍ عام قبل الإجابة على هذا السؤال، فمن المؤكد أن لكل واقعة مذكورة في القرآن الكريم جانبًا يهمّنا، وعلينا أن نعثر على جوانبها التي تتعلق بيومنا، ونأخذ العبرة والدروس منها؛ فالقرآن لا يتحدث عن الماضي سردًا لمعلومات تاريخية فحسب؛ بل إنه…

قَدَرُ الطريق

في مواجهة المظالم المعيشة في يومنا، يعاني الكثير منا المشاعر نفسها ونحمل الأفكار عينها في كل حركاتنا وسكناتنا؛ فينقضُّ نومنا، ونئنّ ألمًا وحزنًا، ومع ذلك نؤمن تمامًا بأنه إذا استطعنا أن نواجه بصبرٍ ورضًا البلايا والمصائب التي نتعرّض لها، فإن جميع المشاكل والصعوبات التي نعانيها في هذا العالم ستكون وسيلة مهمة لفوزنا في الآخرة، وإن…

السبيل إلى الحفاظ على الحياة الروحية

سؤال: كيف نحافظُ على النقاء المعهود في أيام الخدمة الأولى، ونستمرُّ في مواصلة الشد المعنوي، وتنشئةِ رجالٍ جددٍ للدّعوة؟
الجواب: بداية أودّ أن أؤكّد على حقيقة أُشيرَ إليها في السؤال، ألا وهي أن الناس كانوا في السنوات الأولى من الخدمة مخلصين ومضحّين للغاية.. فلم يكن لديهم مطلبٌ سوى رضا الله، وكان الوفاق والاتفاق رائعًا بين المتطوعين في الخدمة…..

الموقف الثابت والأقنعة الساقطة

كلُّ مشكلةٍ ومعاناةٍ تعيشها تكون حبلى بالبهجة والسرور، وبالتالي يجب عليك أن تتحمل فترة الحمل.. فإذا كنت تريد أن يكون لديك ابنٌ كهالة النور وأن تضمّه إلى حضنك، فعليك أن تتحمل المتاعب التي ستتعرض لها قبل ذلك وأن تعمل على مواجهتها بصبرٍ، وهذا بالطبع ليس بالأمر السهل، ولكنك ستشعر بعد ذلك بفرحة تنسيك معاناتك السابقة،…

Send Us A Message