ماذا تعني الجَرَّة المشروخة؟

Home » Arabic (العربية) » شجرة التصنيفات » الجرة المشروخة » ماذا تعني الجَرَّة المشروخة؟

ماذا تعني الجَرَّة المشروخة؟

إن الأستاذ المربي “فتح الله كولن” شخصية جامعة، وأحاديثه تفيض بمعان عميقة تخاطب طبقات مختلفة من الناس، ولا جرم أن مَن يستمع إلى مثله من العلماء يضرب بحظّ وافر من العلم على حسب مستواه، وأكثر الناس فهمًا هم أغزر الناس علمًا، فمن بلغ مرتبةً سامية في العلم ألفى كثيرًا من الحقائق الخفية بين السطور، ورأى في كلمة واحدة دروسًا عظيمةً لا يتسع لها كتاب؛ فتراه مثلًا وهو يشرح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلهِ، وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللهِ» يصف ما في الحديث بـ”الخشية ذات البُعد الالتجائي”، فيسحر من يسمعه بهذا المعنى النفيس، فهو ذو دلالات عميقة عظيمة تملأ الصفحات.

وها نحن نسمّي سلسلتنا هذه بـ”الجرة المشروخة” اعترافًا بعجزنا عن فهمه كما ينبغي، وقصورنا عن تشرّب ما يطرحه علينا من حقائق، وتقصيرنا في تسجيلها والاستفادة منها وإفادة الآخرين بها؛ ومرادنا بعنوان السلسلة المذكور الإشارة إلى أن ما نقدمه ليس إلا مرآة أصغر بكثير من أن تعكس عِلمَ أستاذنا الجليل وحياتَه الروحية والقلبية وزُهدَه وتقواه؛ وقد استوحينا هذه الفكرة من قصة ذكرها مولانا جلال الدين الرومي:

في قديم الزمان نصب سلطان فسطاطه على نهر الفرات، فأحَبَّه الناس، لأنه فتح قلوب العباد لا البلاد فحسب؛ أجل، أحبّوه، وتمنّوا أن لو تعارفوا، ليحظوا بحبه ورضاه، فهو أهل بر وخير، لذلك كانوا يأتونه في بعض الأيام ويقدّمون له الهدايا؛ وذات يوم قدّم الأغنياء والميسورون هدايا ثمينة للسلطان، فراح أحدُ الفقراء يبحث عن هدية تليق بالسلطان، فلما لم يجدْ شيئًا خطرت على باله جرة مشروخة تقبع في ناحية من بيته، فأخذها وملأها بماء عذب من سبيل القرية، وقصد بها السلطان، فقابله أحدهم وسأله عن صنيعه ووجهته، فلما عرَّفه غايتَه قال له مستهزئًا: “أما تعلم أن الأنهار تجري من تحت قصر السلطان، والماء الذي في جرّتك من العين السلطانية أيضًا”؛ فامتقع لون الفقير وغصّ وانعقد لسانه، ثم قال: “لا ضير، فالسلطنة تليق بالسلطان، والفقر يليق بالفقير؛ فإن لم يكن لديّ هدية قيّمة أقدّمها للسلطان فحسبي أنني أحمل قلبًا مفعمًا بحبّه همّه أن يقدّم ماء عينِه إليه”.

وقد عزمنا على تقديم هدية للسلطان بجرتنا المشروخة التي بين أيدينا؛ عسى أن تكون قراءتكم لهذه اللطائف التي أفاضها الله علينا هي هديتنا؛ ونحن نجزم بأن سقي كثيرين من هذا المنهل العذب المورود فيه شكر لنعمة القرب من هذه العين المباركة.

بادئ الأمر كنّا ندوّن شيئًا من الملاحظات نستعين بها في تذكر ما نسيناه من أحاديثه، لكن كان يفوتنا الكثير، فشرعنا في تسجيلها ثم تفريغها بدقة على الحاسوب لنقل ما يذكره تامًّا وافيًا، ثم نقوم بعملية التبييض والتنقيح والتدقيق، ثم نتذاكر نتاج ذلك فيما بيننا.

وها نحن شرعنا نقدّم لكم ماء الحياة -الذي ملأنا به جرّتنا- في هذه السلسلة “الجرة المشروخة”، وأصلها جزء من موقعنا الإلكتروني “www.herkul.org”؛ وإنما فعلنا ذلك خشية أن يكون في احتكارنا لينابيع أفق القلب والروح نكران لهذا الجميل.

Share:

More Posts

عمى النظام

إنّ الذين يعملون داخل نظامٍ وكيانٍ معيّن قد يُصابون مع مرور الوقت بما يُسمى “عمى النظام”؛ أو ما يمكن أن نسميه بالرتابة والاستسلام للإلف والتعوّد، فلا جَرَمَ أنّ تكرار الأعمال على الدوام بشكلٍ معين وتنسيقٍ محدَّدٍ روتينيٍّ يؤدّي إلى الرتابة، فإن لم يُراجَع هذا النظام ويُجدَّد على فترات معينة، ولم تُسدَّ الثغرات وتُكمَّل النواقص؛ حصل…

آفة الدين ثلاثة

سؤال: جاء في الحديث: “آفَةُ الدِّینِ ثَلَاثَةٌ: فَقِیهٌ فَاجِرٌ وَإِمَامٌ جَائِرٌ وَمُجْتَهِدٌ جَاهِلٌ”[1]، فما السمات المشتركة التي جعلت من هذه الفئات الثلاث المذكورة في الحديث آفةً للدين؟
الجواب: رغم أن هذا القول الذي رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد انتُقد من حيث ضوابط ومعايير علم مصطلح الحديث فلا شك أنه يعبّر من حيث المعنى عن حقيقة مهمّة…

الإسلام مبنيٌّ على اليُسْرِ

سؤال: بما أنّ الإسلامَ دينُ يُسرٍ وليس دينَ عسرٍ؛ فلماذا تصعب على أجيال اليوم معايشة الإسلام الحقيقي؟ وكيف نفهم هذا الوضع الذي يبدو متناقضًا في الظاهر؟
الجواب: حتى نفهم المسألة فهمًا صحيحًا لا بد أن نؤكد بدايةً على أن العسر واليسر مفهومان نسبيان؛ بمعنى أن هذه المسألة تختلف تبعًا لفهم الأفراد وتصوراتهم، فقد يجد البعض صعوبةً في أداء…

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

سؤال: أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وحثنا بوسائل شتى على الصلاة والسلام عليه، فكيف نفهم هذه الوصية؟ وكيف ننفذ هذا الأمر؟
الجواب: حثنا النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في السؤال- على الصلاة والسلام عليه في كثير من أحاديثه المباركة، ومن ذلك قوله: “إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فِي الدُّنْيَا”[1]،…

الذنب والتوبة

لم يكن الحسدُ والكبرُ والعصيانُ فحسب السببَ في طرد الشيطان من الحضرة الإلهية، إنما قيامُه بعد العصيان باختلاق المبررات والأعذار، ولُجوؤه إلى الجدل، ومحاولتُه تبريرَ خطيئته.. وعلى الجانب الآخر فقد استوعب أصحابُ الطبائع السليمة دقّةَ الامتثال للأمر؛ فما إن تعثّروا وسقطوا حتى نهضوا واستقاموا وتوجهوا إلى الباب الذي عليهم أن يتوجهوا إليه، وسألوا الله العفو…

لمحات حول تطوير الفقه الإسلامي

سؤال: ما نوع الدراسات التي توصي بإجرائها في مجال الفقه كي يتسنى التغلب على الركود المستمر منذ ثلاثة أو أربعة قرون؟
الجواب: بداية ثمة فائدة في التذكير بأمر ما يتعلق بالموضوع، ألا وهو أن علم الفقه معجزة من معجزات القرآن والفكر الإسلامي؛ فقد نظم الفقهاء المسلمون الحياة بأدقِّ تفاصيلها من خلال الأحكام التي توصلوا إليها كنتاج لعمل جاد،…

“فوائد قصة “هابيل” و”قابيل

سؤال: ما الرسائل المراد إيصالها إلى المؤمنين من خلال قصة “هابيل” و”قابيل”؟
الجواب: أودّ أن أتطرّق إلى مبدإٍ عام قبل الإجابة على هذا السؤال، فمن المؤكد أن لكل واقعة مذكورة في القرآن الكريم جانبًا يهمّنا، وعلينا أن نعثر على جوانبها التي تتعلق بيومنا، ونأخذ العبرة والدروس منها؛ فالقرآن لا يتحدث عن الماضي سردًا لمعلومات تاريخية فحسب؛ بل إنه…

قَدَرُ الطريق

في مواجهة المظالم المعيشة في يومنا، يعاني الكثير منا المشاعر نفسها ونحمل الأفكار عينها في كل حركاتنا وسكناتنا؛ فينقضُّ نومنا، ونئنّ ألمًا وحزنًا، ومع ذلك نؤمن تمامًا بأنه إذا استطعنا أن نواجه بصبرٍ ورضًا البلايا والمصائب التي نتعرّض لها، فإن جميع المشاكل والصعوبات التي نعانيها في هذا العالم ستكون وسيلة مهمة لفوزنا في الآخرة، وإن…

السبيل إلى الحفاظ على الحياة الروحية

سؤال: كيف نحافظُ على النقاء المعهود في أيام الخدمة الأولى، ونستمرُّ في مواصلة الشد المعنوي، وتنشئةِ رجالٍ جددٍ للدّعوة؟
الجواب: بداية أودّ أن أؤكّد على حقيقة أُشيرَ إليها في السؤال، ألا وهي أن الناس كانوا في السنوات الأولى من الخدمة مخلصين ومضحّين للغاية.. فلم يكن لديهم مطلبٌ سوى رضا الله، وكان الوفاق والاتفاق رائعًا بين المتطوعين في الخدمة…..

الموقف الثابت والأقنعة الساقطة

كلُّ مشكلةٍ ومعاناةٍ تعيشها تكون حبلى بالبهجة والسرور، وبالتالي يجب عليك أن تتحمل فترة الحمل.. فإذا كنت تريد أن يكون لديك ابنٌ كهالة النور وأن تضمّه إلى حضنك، فعليك أن تتحمل المتاعب التي ستتعرض لها قبل ذلك وأن تعمل على مواجهتها بصبرٍ، وهذا بالطبع ليس بالأمر السهل، ولكنك ستشعر بعد ذلك بفرحة تنسيك معاناتك السابقة،…

Send Us A Message