8-ماهية إرادة الكلية والجزئية

Home » Arabic (العربية) » شجرة التصنيفات » القدر في ضوء الكتاب والسنة » 8-ماهية إرادة الكلية والجزئية

السؤال: ما هي “الإرادة الكلية” و”الإرادة الجزئية”؟

الجواب: الإرادة الكلية، هي الإرادة التي تُنسب إلى الله سبحانه وتعالى لدى العوام، ولكن هذا الاصطلاح لم يكن موجوداً في عهد الصحابة والتابعين وتابع التابعين. فهم لم يطلقوا على الإرادة الإلهية "الإرادة الكلية" ولا على إرادة الإنسان "الإرادة الجزئية". والظاهر أنه لا بأس من وضع اصطلاح كهذا لأجل فهم العوام للمسألة. علماً أن كلامي هذا مفتوح للانتقاد.

وفي الحقيقة أن اصطلاحاً كهذا، نابع عن تعبير طبيعي وتقييم لنتائج الحوادث والوقائع. لذا يمكن أن يعدّ نقطة استناد صائبة.

وقد قُصد من "الإرادة الكلية" التي أطلقت على الإرادة الإلهية هذه المعاني، وهي أن جميع الإرادة تخص الله سبحانه وتعالى. فالإرادة هي اسم لإرادته سبحانه وتعالى. فمتى ما أراد هو جل جلاله يخلق ما أراد مِن دون النظر إلى إرادة غيره. وهنا نريد أن نلفت نظركم إلى ما ذكرناه سابقاً وهو: أن البعض يقولون: "يخلق ما يريد ولا يخلق ما لا يريد" وهذا الكلام خطأ. والصحيح: "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن".

فالجبر هو الحاكم في الكون. فعندما خلق سبحانه الكون لم يسأل أحداً ولم يتخذ أية إرادة أساساً، فهو ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾(البروج؛ 16)، ولكنه منَح الإنسان إرادة. هذه الإرادة وسيلة ترقٍّ وتدنٍ للإنسان. فمنْح هذه الإرادة يتعلق باسم الله "الرحمن الرحيم". أي أنه لطْف إلهي بتجلي هذين الاسمين. وإلاّ لو نظرنا إلى الأشياء من زاوية الاسم الأعظم ولفظ الجلالة "الله" فالكون برمته في جبر مطلق. نعم، إن "مالك الملك يتصرف في ملكه كيف يشاء"… هذه القاعدة سارية في المفعول على جميع الموجودات، سوى الإنسان الذي أُعطي له إرادة مجهولة الماهية. فمتى ما صرف إرادته هذه إلى الخير، فالله يخلق الخير، وإذا ما صرفها للشر، فالله سبحانه يخلق الشر إذا شاء. وما ساقَنا إلى الجُرأة في هذا الحكم إلاّ اعتمادنا على رحْمانية ربنا ورحِيميَّته.

أي أننا نعتقد متى ما أردنا الخير فالله سبحانه وتعالى يخلقه قطعاً. ولكن الله سبحانه وتعالى بلطفه وكرمه لا يخلق الشر أحياناً عندما يريده الإنسان. فمثلاً شخص يحاول أحدهم أن يضلّه بشتى الوسائل، فيميل إليه، ولكن الله سبحانه لا يريد إضلاله ولا يخلق الضلالة لعلمه بما عمل من حسنة في الماضي أو بما سيعمله من حسنة في المستقبل. حتى أنه سبحانه يوجِد مانعاً بحيث يبعده عن تلك السيئة، فيحول بينه وبين السيئة. فهذا عطاء ربانيّ، وحتى الجنة، لأنها -من جهة- مرتبطة باستعمال الإنسان لإرادته… فالله سبحانه وتعالى يخلق ما أريد باسم الخير، ويكفي للإنسان ألاّ يرتكب إثماً عظيماً يزيل كل الخيرات فيحرم من استحقاقه الإحسان والعطاء من الله.

مسجد “بُورْنُوَا” في محافظة إزمير بـ”تركيا”، 14 أكتوبر 1977.

Share:

More Posts

عمى النظام

إنّ الذين يعملون داخل نظامٍ وكيانٍ معيّن قد يُصابون مع مرور الوقت بما يُسمى “عمى النظام”؛ أو ما يمكن أن نسميه بالرتابة والاستسلام للإلف والتعوّد، فلا جَرَمَ أنّ تكرار الأعمال على الدوام بشكلٍ معين وتنسيقٍ محدَّدٍ روتينيٍّ يؤدّي إلى الرتابة، فإن لم يُراجَع هذا النظام ويُجدَّد على فترات معينة، ولم تُسدَّ الثغرات وتُكمَّل النواقص؛ حصل…

آفة الدين ثلاثة

سؤال: جاء في الحديث: “آفَةُ الدِّینِ ثَلَاثَةٌ: فَقِیهٌ فَاجِرٌ وَإِمَامٌ جَائِرٌ وَمُجْتَهِدٌ جَاهِلٌ”[1]، فما السمات المشتركة التي جعلت من هذه الفئات الثلاث المذكورة في الحديث آفةً للدين؟
الجواب: رغم أن هذا القول الذي رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد انتُقد من حيث ضوابط ومعايير علم مصطلح الحديث فلا شك أنه يعبّر من حيث المعنى عن حقيقة مهمّة…

الإسلام مبنيٌّ على اليُسْرِ

سؤال: بما أنّ الإسلامَ دينُ يُسرٍ وليس دينَ عسرٍ؛ فلماذا تصعب على أجيال اليوم معايشة الإسلام الحقيقي؟ وكيف نفهم هذا الوضع الذي يبدو متناقضًا في الظاهر؟
الجواب: حتى نفهم المسألة فهمًا صحيحًا لا بد أن نؤكد بدايةً على أن العسر واليسر مفهومان نسبيان؛ بمعنى أن هذه المسألة تختلف تبعًا لفهم الأفراد وتصوراتهم، فقد يجد البعض صعوبةً في أداء…

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

سؤال: أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وحثنا بوسائل شتى على الصلاة والسلام عليه، فكيف نفهم هذه الوصية؟ وكيف ننفذ هذا الأمر؟
الجواب: حثنا النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في السؤال- على الصلاة والسلام عليه في كثير من أحاديثه المباركة، ومن ذلك قوله: “إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فِي الدُّنْيَا”[1]،…

الذنب والتوبة

لم يكن الحسدُ والكبرُ والعصيانُ فحسب السببَ في طرد الشيطان من الحضرة الإلهية، إنما قيامُه بعد العصيان باختلاق المبررات والأعذار، ولُجوؤه إلى الجدل، ومحاولتُه تبريرَ خطيئته.. وعلى الجانب الآخر فقد استوعب أصحابُ الطبائع السليمة دقّةَ الامتثال للأمر؛ فما إن تعثّروا وسقطوا حتى نهضوا واستقاموا وتوجهوا إلى الباب الذي عليهم أن يتوجهوا إليه، وسألوا الله العفو…

لمحات حول تطوير الفقه الإسلامي

سؤال: ما نوع الدراسات التي توصي بإجرائها في مجال الفقه كي يتسنى التغلب على الركود المستمر منذ ثلاثة أو أربعة قرون؟
الجواب: بداية ثمة فائدة في التذكير بأمر ما يتعلق بالموضوع، ألا وهو أن علم الفقه معجزة من معجزات القرآن والفكر الإسلامي؛ فقد نظم الفقهاء المسلمون الحياة بأدقِّ تفاصيلها من خلال الأحكام التي توصلوا إليها كنتاج لعمل جاد،…

“فوائد قصة “هابيل” و”قابيل

سؤال: ما الرسائل المراد إيصالها إلى المؤمنين من خلال قصة “هابيل” و”قابيل”؟
الجواب: أودّ أن أتطرّق إلى مبدإٍ عام قبل الإجابة على هذا السؤال، فمن المؤكد أن لكل واقعة مذكورة في القرآن الكريم جانبًا يهمّنا، وعلينا أن نعثر على جوانبها التي تتعلق بيومنا، ونأخذ العبرة والدروس منها؛ فالقرآن لا يتحدث عن الماضي سردًا لمعلومات تاريخية فحسب؛ بل إنه…

قَدَرُ الطريق

في مواجهة المظالم المعيشة في يومنا، يعاني الكثير منا المشاعر نفسها ونحمل الأفكار عينها في كل حركاتنا وسكناتنا؛ فينقضُّ نومنا، ونئنّ ألمًا وحزنًا، ومع ذلك نؤمن تمامًا بأنه إذا استطعنا أن نواجه بصبرٍ ورضًا البلايا والمصائب التي نتعرّض لها، فإن جميع المشاكل والصعوبات التي نعانيها في هذا العالم ستكون وسيلة مهمة لفوزنا في الآخرة، وإن…

السبيل إلى الحفاظ على الحياة الروحية

سؤال: كيف نحافظُ على النقاء المعهود في أيام الخدمة الأولى، ونستمرُّ في مواصلة الشد المعنوي، وتنشئةِ رجالٍ جددٍ للدّعوة؟
الجواب: بداية أودّ أن أؤكّد على حقيقة أُشيرَ إليها في السؤال، ألا وهي أن الناس كانوا في السنوات الأولى من الخدمة مخلصين ومضحّين للغاية.. فلم يكن لديهم مطلبٌ سوى رضا الله، وكان الوفاق والاتفاق رائعًا بين المتطوعين في الخدمة…..

الموقف الثابت والأقنعة الساقطة

كلُّ مشكلةٍ ومعاناةٍ تعيشها تكون حبلى بالبهجة والسرور، وبالتالي يجب عليك أن تتحمل فترة الحمل.. فإذا كنت تريد أن يكون لديك ابنٌ كهالة النور وأن تضمّه إلى حضنك، فعليك أن تتحمل المتاعب التي ستتعرض لها قبل ذلك وأن تعمل على مواجهتها بصبرٍ، وهذا بالطبع ليس بالأمر السهل، ولكنك ستشعر بعد ذلك بفرحة تنسيك معاناتك السابقة،…

Send Us A Message