1-القضاء والقدر من حيث العلم الإلهي

Home » Arabic (العربية) » شجرة التصنيفات » القدر في ضوء الكتاب والسنة » 1-القضاء والقدر من حيث العلم الإلهي

أودّ أن أستهل الموضوع بحديث شريف ذكرناه سابقاً وهو:

«ما منكم من أحدٍ، ما من نفْسٍ منفُوسة إلا وقد كتَب اللهُ مكانَها من الجنة والنار».[1] بمعنى أن الله سبحانه وتعالى يعلم مكان الإنسان من الجنة والنار قبل أن يُخلق. فلنفصّل القضاء والقدر من حيث العلم الأزلي:

إن الله سبحانه عليم بكل شيء، يقدّر كل شيء ويعينه وفق علمه. وهناك من المسائل ما يتفضل الله فيها علينا بالعطاء، ويقضي علينا قضاءه وحكمه ويجعلنا مكلفين بالقرآن الكريم بالذات. ولكن كثيراً منها ما لا تهش لها نفوسُنا، إذ تجدها غير مرغوبة فيها. ولكن الله سبحانه، وهو العليم الخبير، لا يحكم بحقنا شيئاً ولا يقضي قضاءً إلاّ وفيه حِكَمٌ وفوائد ومصالح لنا. ففي تقديراته سبحانه وتعييناته قد أخذت هذه المصالح والفوائد بنظر الاعتبار. بيد أننا غافلون عنها جميعاً، حيث نجهل والله يعلم. إذ إن علمه بشيء ما ومقارنة حكمته له، لا ينفكّان أحدهما عن الآخر: العلم والحكمة. فالحِكَم والمصالح تعقب دائماً علمَه سبحانه، إلاّ أنه سبحانه ليس مضطراً إلى القيام وفق الحكم والمصالح، ولكن كما أن علمه محيط بكل شيء كذلك حكمته وسعتْ كل شيء. فهو عليم بكل شيء حكيم في كل شيء. ولا يمكن فك أحدهما عن الآخر.

في كل شيء له حكمة، فالله لا يعبث. فالحكمة دائماً طوع علمه، فأينما يتجلى العلم وتزدهر القدرة والإرادة، إذا بالحكمة تسطع هناك وتتلمع. إلاّ أننا نجد التكاليف -في أغلب الأحيان- كريهة على نفوسنا لجهلنا بهذه الحكم والمصالح. لأننا لا نعرف حُسن هذه التكاليف من حيث نتائجها، أي أنها حسنة لغيرها كما هو في المصطلح الفقهي. إذ لو نظر الإنسان إلى الموجودات من هذه الجهة -أي من حيث النتيجة- يجد كثيراً جداً من الحكم والمصالح. أمّا السيئات والشرور فهي مرتبطة بكسبنا الخاص، والآية الكريمة تبين المسألة بوضوح تام:

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾(البقرة: 216).

أي أن كثيراً من الأمور تنطوي على مصالح وفوائد وخيرات رغم ان ظاهرها كريه وقبيح. فالوضوء في أثناء البرد، وقطع المسافات لبلوغ الجماعة في المسجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة.. وأمثالها أمور ثقيلة على النفوس كريهة عليها. ولكن تحت هذه الصعوبة والثقل خطوات تلو الأخرى للتقرب إلى الجنة والتنعم برحمة الله مرحلة مرحلة. وهناك أيضاً أمور تشتهيها النفوس وترغب بها وتسوق الإنسان إلى عالم الشهوات بينما وراءها سقوط في هاوية الجحيم وبعدٌ عن رحمة الله تعالى خطوة خطوة.

ولقد أصاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إدراك هذه المسألة حيث قال: "ما أبالي على أي حال أصبحت، على ما أحب أو على ما أكره. لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره".[2] والأصل في الأمر هو الانقياد لما يقضيه الله سبحانه والتجنب عن البحث عن الحكم فيها. نعم إن الواجب علينا هو السعي للخير وحمل نية الخير، فلا ينبغي أن ننخدع بالظاهر من الأمر والنهي بل علينا الطاعة التامة لأوامره تعالى.

إن خير مثال في هذا الصدد هو صلح الحديبية. إذ فيه من المواقف والأحوال ما لا ترغب فيها النفس، إذا ما نظر إليها من حيث الملك، أي من حيث ظاهر الأمر. ولكن إذا ما أخذ الأمر من حيث الملكوت والأبعاد اللدنية، فهو "فتح قريب" كما هو في التعبير القرآني.

وحقّاً إن ظاهر الأمر في الحديبية قد لا تتحمله النفوس، لكأن كل ما يعادي الإسلام قد اجتمع هناك، بينما الصحابة الكرام المستعدون للتضحية بكل غالٍ ونفيس، ليس لهم فيه أصغر حق. حيث كانت مشاعرهم متهيجة لأجل الطواف حول الكعبة المعظمة.

نعم هؤلاء الكرام ينتظرون منذ سنين وعلى مضض هذه الفرصة، والآن يحول الأعداء بينهم وبين ما يرغبون. لذا فإنه ثقيل على نفوسهم الرجوع من مكان قريب للكعبة، ولم يك هيناً. إذنْ على تلك النفوس المتهيأة للطواف أن ترضخ لبنود الصلح. ولاسيما بعدما شاهدوا ردّ أبي جندل وهو مكبل بالسلاسل إلى الكفار بينما هو يريد الاحتماء بالرسول صلى الله عليه وسلم. ولا شك أن هذا المنظر مؤلم جدّاً لنفوس الصحب الكرام.. بمعنى أن جميع ما في ظاهر الحديبية يجري خلاف رغبات المؤمنين. ولكن رغم الانفعال الذي بلغ ذروته في نفوس المؤمنين فإن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حافظ على سكينته وهو على يقين من العاقبة التي ستؤول إلى خير بلا شك. وهو معنى الابتسامة الحلوة التي كانت تحت نظراته الشجية. وحقاً إن إدراك أبعاد المسألة أمر صعب جداً. حتى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي لم يدرك سر المسألة، أخذ بالاستغفار والتصدق طوال حياته لمّا أدرك السر كفارةً لما بدر منه في الحديبية. ولكن بعد نـزول الآيات الكريمة أخذت العقد تنحل والمشاكل تتوضح وتتبدد لدى الصحابة الكرام بجميع أبعاد المسألة ظاهراً وباطناً.

نعم، الحديبية فتح، حيث إن قريشاً أخذت موقع المعاهد مع المسلمين، وهذا اعتراف رسمي بوجودهم. والمسلمون بدورهم ضمنوا العمرة في السنة القادمة، وهذا يعني أن الكعبة ليست حصراً بالمكيّين، مما أحيا في القبائل الأخرى روح الشجاعة. وفي صلح الحديبية فرصة عظيمة جداً للمسلمين لنشر دعوتهم، حيث قُرر ألاّ يحارِب الطرفان طوال عشر سنوات، وفعلاً دخلت القبائل، قبيلة إثر أخرى في الإسلام بعد أداء الإرشاد والتبليغ طوال هذه المدة الطويلة. فالحديبية حقاً فتح مبين. [3]

ومثال آخر نسوقه من سـيدنا يوسـف عليه السلام لرؤية الجانب الملكوتي للحوادث وبيان وجهها الحسن.

إنه لأجل أن يكون عزيز مصر، كان لا بد أن يُرمى أوّلاً في الجبّ، ويباع بيع العبيد، ثم يُزجّ في السـجن… وقد تجرع آلام كل هذا سـيدنا يوسف عليه السلام واجتاز الامتحانات الصعبة بنجاح باهر يليق بنبيّ كريم. فوَراء الحوادث التي ظاهرها الصعوبة والثقل والكراهة مرتبة يرتقي إليها ليحكم ويؤدي دوره في قدَر الأمة، وقد بلغ سيدنا يوسف هذه المرتبة فعلاً.

ولقد ارتقى سيدنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى المعراج في مثل هذه الظروف الصعبة والآلام تحيط به والمضايقات تشدد عليه الخناق، وكانت الأحداث كلها ضده. إذ المسلمون تحت الحصار، وقد توفي إثنان ممن كانوا السند له، فلم تعد خديجة الكبرى ولا أبو طالب جنب الرسول صلى الله عليه وسلم بحياتهما الجسمانية، فضلاً عما لاقاه في الطائف من الرد. [4]

ففي هذه الأثناء بالذات جاءت الدعوة الكريمة من الله سبحانه ليرفعه إلى السـماء، فارتقى بالمعراج حتى بلغ قاب قوسين أو أدنى (بين الإمكان والوجوب). نعم لقد بلغ موضعاً لم يقدر جبريل عليه السلام إلاّ الاكتفاء بمشاهدته فحسب، حيث لا يمكنه أن يتقدم ولو بمقدار أنملة. [5]

أما سيدنا موسى عليه السلام فقد بدأت معاناته منذ الولادة حيث وضع في التابوت وأُلقي به في النهر، ثم أدخله الله إلى قصر فرعون، عدوه وعدو الله الأكبر، ثم عاش عيش الغرباء البعيد عن الأهل بعد أن لطم قبطياً فقضى عليه. [6] نعم إن تربية بني إسرائيل ورفعهم إلى المستوى المنشود لا بد له من اجتياز هذه الصفحات من الحياة التحضيرية. فعلى الرغم من أن سلسلة هذه الحوادث التي ترد بانتظام كريهة ظاهراً، فالله سبحانه يخلق الخير المطلق من هذه البدايات المليئة بالأحداث الصعبة الكريهة.

وكذا سيدنا المسيح عليه السلام كيف رُفع إلى السماء؟ وقد أُعدّ له الصليب ليصلب بعد أن عانى ما عانى من مضايقات وترصدات متعاقبة رهيبة. إلاّ أن الله سبحانه في تلك الأثناء بالذات يرفعه بيده الرحيمة إلى السماء. [7] فكما كانت ولادته معجزة، عاد إلى السماء بمعجزة أيضاً.

والأمر نفسه واقع في الأمة المحمدية. وسيخلق الله سبحانه خيرات كثيرة مما تعانيه كالأمم السـابقة، وسـينعم عليها بالفرج والنصر بعد اجتيازها هـذه الحوادث الجسـام التي يبدو ظاهرها كريهاً مؤلِما.

فكل حادثة ببدايتها ونهايتها تنطوي في العلم الإلهي على أسرار كثيرة كهذه. فالله سبحانه وتعالى الذي هو الأول والآخر والظاهر والباطن عليم بجهة الملك والملكوت بكل شيء. والقدر هو عنوان ذو أسرار لعلمه هذا، وبكيفيته هذه فالقدر اسم آخر لحقيقة اللوح المحفوظ.

الهوامش

[1] مسلم، القدر 7.

[2] كتاب الزهد لابن المبارك، ص: 143.

[3] البداية والنهاية لابن كثير، 4/188-202.

[4] البداية والنهاية لابن كثير، 3/151-166.

[5] البداية والنهاية لابن كثير، 3/135-145؛ وجاء في الخبر: "قال جبريل: تقدّم يا رسول الله، ليس لي أن أجوز هذا المكان، ولو دنوت أنملة لاحترقت". (تفسير الميزان للطباطبائي، 13/18.)

[6] انظر: سورة القصص: 1-35.

[7] انظر: سورة النساء: 158.

Share:

More Posts

عمى النظام

إنّ الذين يعملون داخل نظامٍ وكيانٍ معيّن قد يُصابون مع مرور الوقت بما يُسمى “عمى النظام”؛ أو ما يمكن أن نسميه بالرتابة والاستسلام للإلف والتعوّد، فلا جَرَمَ أنّ تكرار الأعمال على الدوام بشكلٍ معين وتنسيقٍ محدَّدٍ روتينيٍّ يؤدّي إلى الرتابة، فإن لم يُراجَع هذا النظام ويُجدَّد على فترات معينة، ولم تُسدَّ الثغرات وتُكمَّل النواقص؛ حصل…

آفة الدين ثلاثة

سؤال: جاء في الحديث: “آفَةُ الدِّینِ ثَلَاثَةٌ: فَقِیهٌ فَاجِرٌ وَإِمَامٌ جَائِرٌ وَمُجْتَهِدٌ جَاهِلٌ”[1]، فما السمات المشتركة التي جعلت من هذه الفئات الثلاث المذكورة في الحديث آفةً للدين؟
الجواب: رغم أن هذا القول الذي رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد انتُقد من حيث ضوابط ومعايير علم مصطلح الحديث فلا شك أنه يعبّر من حيث المعنى عن حقيقة مهمّة…

الإسلام مبنيٌّ على اليُسْرِ

سؤال: بما أنّ الإسلامَ دينُ يُسرٍ وليس دينَ عسرٍ؛ فلماذا تصعب على أجيال اليوم معايشة الإسلام الحقيقي؟ وكيف نفهم هذا الوضع الذي يبدو متناقضًا في الظاهر؟
الجواب: حتى نفهم المسألة فهمًا صحيحًا لا بد أن نؤكد بدايةً على أن العسر واليسر مفهومان نسبيان؛ بمعنى أن هذه المسألة تختلف تبعًا لفهم الأفراد وتصوراتهم، فقد يجد البعض صعوبةً في أداء…

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

سؤال: أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وحثنا بوسائل شتى على الصلاة والسلام عليه، فكيف نفهم هذه الوصية؟ وكيف ننفذ هذا الأمر؟
الجواب: حثنا النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في السؤال- على الصلاة والسلام عليه في كثير من أحاديثه المباركة، ومن ذلك قوله: “إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فِي الدُّنْيَا”[1]،…

الذنب والتوبة

لم يكن الحسدُ والكبرُ والعصيانُ فحسب السببَ في طرد الشيطان من الحضرة الإلهية، إنما قيامُه بعد العصيان باختلاق المبررات والأعذار، ولُجوؤه إلى الجدل، ومحاولتُه تبريرَ خطيئته.. وعلى الجانب الآخر فقد استوعب أصحابُ الطبائع السليمة دقّةَ الامتثال للأمر؛ فما إن تعثّروا وسقطوا حتى نهضوا واستقاموا وتوجهوا إلى الباب الذي عليهم أن يتوجهوا إليه، وسألوا الله العفو…

لمحات حول تطوير الفقه الإسلامي

سؤال: ما نوع الدراسات التي توصي بإجرائها في مجال الفقه كي يتسنى التغلب على الركود المستمر منذ ثلاثة أو أربعة قرون؟
الجواب: بداية ثمة فائدة في التذكير بأمر ما يتعلق بالموضوع، ألا وهو أن علم الفقه معجزة من معجزات القرآن والفكر الإسلامي؛ فقد نظم الفقهاء المسلمون الحياة بأدقِّ تفاصيلها من خلال الأحكام التي توصلوا إليها كنتاج لعمل جاد،…

“فوائد قصة “هابيل” و”قابيل

سؤال: ما الرسائل المراد إيصالها إلى المؤمنين من خلال قصة “هابيل” و”قابيل”؟
الجواب: أودّ أن أتطرّق إلى مبدإٍ عام قبل الإجابة على هذا السؤال، فمن المؤكد أن لكل واقعة مذكورة في القرآن الكريم جانبًا يهمّنا، وعلينا أن نعثر على جوانبها التي تتعلق بيومنا، ونأخذ العبرة والدروس منها؛ فالقرآن لا يتحدث عن الماضي سردًا لمعلومات تاريخية فحسب؛ بل إنه…

قَدَرُ الطريق

في مواجهة المظالم المعيشة في يومنا، يعاني الكثير منا المشاعر نفسها ونحمل الأفكار عينها في كل حركاتنا وسكناتنا؛ فينقضُّ نومنا، ونئنّ ألمًا وحزنًا، ومع ذلك نؤمن تمامًا بأنه إذا استطعنا أن نواجه بصبرٍ ورضًا البلايا والمصائب التي نتعرّض لها، فإن جميع المشاكل والصعوبات التي نعانيها في هذا العالم ستكون وسيلة مهمة لفوزنا في الآخرة، وإن…

السبيل إلى الحفاظ على الحياة الروحية

سؤال: كيف نحافظُ على النقاء المعهود في أيام الخدمة الأولى، ونستمرُّ في مواصلة الشد المعنوي، وتنشئةِ رجالٍ جددٍ للدّعوة؟
الجواب: بداية أودّ أن أؤكّد على حقيقة أُشيرَ إليها في السؤال، ألا وهي أن الناس كانوا في السنوات الأولى من الخدمة مخلصين ومضحّين للغاية.. فلم يكن لديهم مطلبٌ سوى رضا الله، وكان الوفاق والاتفاق رائعًا بين المتطوعين في الخدمة…..

الموقف الثابت والأقنعة الساقطة

كلُّ مشكلةٍ ومعاناةٍ تعيشها تكون حبلى بالبهجة والسرور، وبالتالي يجب عليك أن تتحمل فترة الحمل.. فإذا كنت تريد أن يكون لديك ابنٌ كهالة النور وأن تضمّه إلى حضنك، فعليك أن تتحمل المتاعب التي ستتعرض لها قبل ذلك وأن تعمل على مواجهتها بصبرٍ، وهذا بالطبع ليس بالأمر السهل، ولكنك ستشعر بعد ذلك بفرحة تنسيك معاناتك السابقة،…

Send Us A Message