4-ما يُكسبه الإيمان بالقدر

إن الذي أحاط علماً بمسألة القدر وحلّ الأسرار التي تخصّه في وجدانه مرحلة تلو الأخرى كمن يحل العقد، يفوض في النهاية كل شيء إلى الله سبحانه، حتى يبلغ فهم الآية الكريمة: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾(الصافات: 96).

نعم، إن الله سبحانه هو خالقنا وخالق أفعالنا؛ فأكلنا وشربنا ونومنا ويقظتنا وتفكرنا وكلامنا.. كل ذلك بخلق الله سبحانه. وفي الحقيقة أن كل ما يخص الخلق، فهو مخلوق من الله سبحانه قطعاً.. هكذا يرى "المنتهِي" (صاحب الإيمان الواصل إلى أعماقه البعيدة) هذه الحقيقة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار؛ وذلك بسلوكه الوجداني. وحيث إن الأمر هكذا فمن الصعوبة بمكان ألاّ يقع هذا الواصل في "الجبرية".

نعم إن الإنسان كلما أعطى الفعل لله تجابهه الإرادة (إرادته الجزئية) في النتيجة وتذكّره بالمسؤوليّة لئلاّ ترتفع عنه المسؤولية. ولكي لا يغتر الإنسان في الوقت نفسه بفعله الحسنات يعمل القدر عمله قائلاً له: "لا تغترّ، أنت لست الفاعل"، فينقذه من الغرور. وهكذا يبلغ الإنسان التوازن، وتنتظم حياته وسلوكه بالحفاظ على هذا التوازن.

إن جميع الحسنات ما هي إلاّ من فعل الله وتقديره. فلا يستطيع الإنسان أن يتملكها. وإلاّ يقع في شرك خفي، لأن الله سبحانه هو الذي يهب الحسنات مباشرة، إذ نفْس الإنسان الأمارة بالسوء لا تطلب الحسنات قطعاً. ومن المعلوم أن المقصود من الحسنات هنا تلك الحسنات التي هي بذاتها حسنة وجميلة، وإلاّ فلا نقبل ما تتوهمه النفس الأمارة من جميل وحسَن. نعم، إنّ النفس الشريرة مدفوعة بشرها إلى كراهية الجميل والجمال ومعاداتهما.

إن النفْس الأمّارة بالسوء تطلب السيئات، لذا فالمسؤولية تقع عليها.. فالآية الكريمة الآتية تجمع هذين الأساسين معاً وتوضّح الأمر جلياً: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا اَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾(النساء: 79). ومن هنا فليس لك أن تغترّ بحسناتك التي تعود إليك، لأن الحسنات ليست لك بالذات، فكل ما هو حسَن وجميل إنما هو إحسانٌ من الله إليك؛ والإحسان يقتضي الشكر والتواضع، لا الغرور.

أما السيئات والذنوب فإن إرادتك الجزئية "شرط عادي" في خلقها؛ لذا تقع مسؤوليتها على النفس. ذلك لأنه تعالى خلق ما رغبت عمله ومالت إليه نفسك أو فكرت في القيام به، أو أي تصرف آخر في ميلك ورغبتك.

فهذه الأمور لا يمكن أن نفهمها إلاّ بالوجدان والحال. أي أن هناك شاهداً واحداً فقط على ما دار في خلدك من ميل أو أي تصرف في ذلك الميل، وهو الوجدان. فالله سبحانه وتعالى اتخذ وجدانك شاهداً على علمه.

أما الإنسان "المبتدئ" فهو يؤمن أيضاً بالقدر، ولكنه ينظر الى الماضي والبلايا التي تصيبه من زاوية القدر، فيقول: "إن البلايا والمصائب النازلة هي من تقدير الله"، فينجو من اليأس. أما عندما ينظر إلى المستقبل والمعاصي فإنه ينظر إليها من زاوية الإرادة الجزئية، فيقول: "سَأُحَصّل ما قُدّر لي على كل حال"، فلا يرمي نفسه في أحضان الكسل، ولا يجعل القدر وسيلةَ تسلية تجاه ما نواه من السيئة، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَأَنْ ليْسَ لِلإِنْسَانِ إلاَّ مَا سَعَى﴾ (النجم: 39).

نعم، إن الله سبحانه هو خالق كل شيء، من حسنات وسيئات، لأن الخلق يخصّه هو وحده، ولكن المسؤولية تقع على من أراد السيئة.. فهذا النمط من الإيمان هو أساس إيمان المبتدئ الذي لم يخض تجربة الإيمان بأعماقه البعيدة.

أما وراء هذا فلا يجوز الخوض فيه؛ أي لا يجوز للمبتدئ الخوض في مسألة القدر أكثر من هذا الحد وليس له أن يلوك مسائله الفرعية بلسانه؛ لأن القدر مزلّة الأقدام وهو مسألة دقيقة جداً. فقد كان الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان يمنع طلابه من مناقشة مثل هذه المسائل. وعندما كان يُسأل: "وأنت لما ذا تتكلم فيه"، يجيب: "أتكلم خائفاً وكأن على رأسي الطير". ويقصد به: إنكم عندما تتكلمون في القدر تقصدون الغلبة والظهور على خصمكم، ولهذا أمنعُكم عن الخوض فيه.

إن الدقة المتناهية في هذا الموضوع وحظر الخوض فيه لا يكدر صفاء منطقية المسألة التي بحثت. إذ لا يجوز الكلام كيفما اتفق في مثل هذه المسائل، ولاسيما مسألة القدر، إلاّ من كان حاذقاً ماهراً مهارة الصائغ وحذاقة الكيميائي.

Share:

More Posts

عمى النظام

إنّ الذين يعملون داخل نظامٍ وكيانٍ معيّن قد يُصابون مع مرور الوقت بما يُسمى “عمى النظام”؛ أو ما يمكن أن نسميه بالرتابة والاستسلام للإلف والتعوّد، فلا جَرَمَ أنّ تكرار الأعمال على الدوام بشكلٍ معين وتنسيقٍ محدَّدٍ روتينيٍّ يؤدّي إلى الرتابة، فإن لم يُراجَع هذا النظام ويُجدَّد على فترات معينة، ولم تُسدَّ الثغرات وتُكمَّل النواقص؛ حصل…

آفة الدين ثلاثة

سؤال: جاء في الحديث: “آفَةُ الدِّینِ ثَلَاثَةٌ: فَقِیهٌ فَاجِرٌ وَإِمَامٌ جَائِرٌ وَمُجْتَهِدٌ جَاهِلٌ”[1]، فما السمات المشتركة التي جعلت من هذه الفئات الثلاث المذكورة في الحديث آفةً للدين؟
الجواب: رغم أن هذا القول الذي رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد انتُقد من حيث ضوابط ومعايير علم مصطلح الحديث فلا شك أنه يعبّر من حيث المعنى عن حقيقة مهمّة…

الإسلام مبنيٌّ على اليُسْرِ

سؤال: بما أنّ الإسلامَ دينُ يُسرٍ وليس دينَ عسرٍ؛ فلماذا تصعب على أجيال اليوم معايشة الإسلام الحقيقي؟ وكيف نفهم هذا الوضع الذي يبدو متناقضًا في الظاهر؟
الجواب: حتى نفهم المسألة فهمًا صحيحًا لا بد أن نؤكد بدايةً على أن العسر واليسر مفهومان نسبيان؛ بمعنى أن هذه المسألة تختلف تبعًا لفهم الأفراد وتصوراتهم، فقد يجد البعض صعوبةً في أداء…

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

سؤال: أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وحثنا بوسائل شتى على الصلاة والسلام عليه، فكيف نفهم هذه الوصية؟ وكيف ننفذ هذا الأمر؟
الجواب: حثنا النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في السؤال- على الصلاة والسلام عليه في كثير من أحاديثه المباركة، ومن ذلك قوله: “إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فِي الدُّنْيَا”[1]،…

الذنب والتوبة

لم يكن الحسدُ والكبرُ والعصيانُ فحسب السببَ في طرد الشيطان من الحضرة الإلهية، إنما قيامُه بعد العصيان باختلاق المبررات والأعذار، ولُجوؤه إلى الجدل، ومحاولتُه تبريرَ خطيئته.. وعلى الجانب الآخر فقد استوعب أصحابُ الطبائع السليمة دقّةَ الامتثال للأمر؛ فما إن تعثّروا وسقطوا حتى نهضوا واستقاموا وتوجهوا إلى الباب الذي عليهم أن يتوجهوا إليه، وسألوا الله العفو…

لمحات حول تطوير الفقه الإسلامي

سؤال: ما نوع الدراسات التي توصي بإجرائها في مجال الفقه كي يتسنى التغلب على الركود المستمر منذ ثلاثة أو أربعة قرون؟
الجواب: بداية ثمة فائدة في التذكير بأمر ما يتعلق بالموضوع، ألا وهو أن علم الفقه معجزة من معجزات القرآن والفكر الإسلامي؛ فقد نظم الفقهاء المسلمون الحياة بأدقِّ تفاصيلها من خلال الأحكام التي توصلوا إليها كنتاج لعمل جاد،…

“فوائد قصة “هابيل” و”قابيل

سؤال: ما الرسائل المراد إيصالها إلى المؤمنين من خلال قصة “هابيل” و”قابيل”؟
الجواب: أودّ أن أتطرّق إلى مبدإٍ عام قبل الإجابة على هذا السؤال، فمن المؤكد أن لكل واقعة مذكورة في القرآن الكريم جانبًا يهمّنا، وعلينا أن نعثر على جوانبها التي تتعلق بيومنا، ونأخذ العبرة والدروس منها؛ فالقرآن لا يتحدث عن الماضي سردًا لمعلومات تاريخية فحسب؛ بل إنه…

قَدَرُ الطريق

في مواجهة المظالم المعيشة في يومنا، يعاني الكثير منا المشاعر نفسها ونحمل الأفكار عينها في كل حركاتنا وسكناتنا؛ فينقضُّ نومنا، ونئنّ ألمًا وحزنًا، ومع ذلك نؤمن تمامًا بأنه إذا استطعنا أن نواجه بصبرٍ ورضًا البلايا والمصائب التي نتعرّض لها، فإن جميع المشاكل والصعوبات التي نعانيها في هذا العالم ستكون وسيلة مهمة لفوزنا في الآخرة، وإن…

السبيل إلى الحفاظ على الحياة الروحية

سؤال: كيف نحافظُ على النقاء المعهود في أيام الخدمة الأولى، ونستمرُّ في مواصلة الشد المعنوي، وتنشئةِ رجالٍ جددٍ للدّعوة؟
الجواب: بداية أودّ أن أؤكّد على حقيقة أُشيرَ إليها في السؤال، ألا وهي أن الناس كانوا في السنوات الأولى من الخدمة مخلصين ومضحّين للغاية.. فلم يكن لديهم مطلبٌ سوى رضا الله، وكان الوفاق والاتفاق رائعًا بين المتطوعين في الخدمة…..

الموقف الثابت والأقنعة الساقطة

كلُّ مشكلةٍ ومعاناةٍ تعيشها تكون حبلى بالبهجة والسرور، وبالتالي يجب عليك أن تتحمل فترة الحمل.. فإذا كنت تريد أن يكون لديك ابنٌ كهالة النور وأن تضمّه إلى حضنك، فعليك أن تتحمل المتاعب التي ستتعرض لها قبل ذلك وأن تعمل على مواجهتها بصبرٍ، وهذا بالطبع ليس بالأمر السهل، ولكنك ستشعر بعد ذلك بفرحة تنسيك معاناتك السابقة،…

Send Us A Message