فدائيّوا المحبّة ومهمّة إنقاذ أرواح الشعوب

Home » Arabic (العربية) » الكتّاب » فدائيّوا المحبّة ومهمّة إنقاذ أرواح الشعوب

مرّة أخرى نقِف أمام عظَمة الأستاذ فتح الله كُولَن بروح من الإكْبار والإعجاب، بل الانبهار أمام تنْزيله الوفي الدقّة لإشارات كتاب الله عز وجل وسنّة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، حين يتعلّق الأمرُ بتنظيم حياة العباد دنيويًّا وأخرويًّا. وهذا الانشداد القويّ للمشروع الإسلامي في أصوله وفروعه ومعانيه العظيمة أثْمر كما قلنا في حلقات سابقة امتدادًا لمشروع كولن الدعوي والتربوي إلى الكثير من بقاع العالم. وما يبعث على التقصى الملفوف بالشوق لكتابات فتح الله كولن في هذا السياق، هو جرعة الصدق والمحبّة التي يترجم بها مشاعره نحو الدين، فتأتي العبارات مشحونة بجذْب مغناطيسي لا يقاوَم، ويحيل صدقه وعمقه القارئ للتوّ على قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾(البَقَرَة:282).

في الحاجة إلى مهندسي الروح

فتح الله كولن إذن رجل معلم بفتح اللام لأنه وضع نصب عينيه الصفات المثلى للسالكين إلى الله تعالى وعلى رأس هذه الصفات رضا الله عز وجل وتعليم الناس الخير. وما أحوجنا إلى أناس من هذه الطينة لحجز الناس عن هذا التردّي إلى الهلاك، أناس يبذلون الرحمة والشفقة لأجل استنقاذ الناس من التطبيع مع المعصية، مع دعم قدراتهم ومناعتهم الدفينة للتصدّي لوصفات الشيطان التخريبية للإنسان والحضارة.

يقول فتح الله كولن في ذكر صفات أولئك الذين نذَروا أرواحهم لخدمة الناس: “لن تجد في خططهم وحساباتهم أنهم يعيرون أهمية لأمور يسعى طلاّب الدنيا للحصول عليها كالأموال والأرباح والثروة والرفاهية… هذه الأمور لا تشكل عندهم أيّة قيمة، ولا يقبلون أن تشكّل عندهم أي مقياس. فهم قد نذروا أنفسهم لإرشاد الناس إلى الحق تعالى وتحبيبه إليهم لتحقيق الحصول على محبّته تعالى، وربط حياتهم به لإحياء نفوس الآخرين… ونظرًا لكل هذا فلن تجد عند أمثال هؤلاء شعارات تفرّق، ولا تجمع وتشتّت، ولا توحّد وتقود إلى النّزاع من أمثال “هم” و”نحن” و”أنصارنا” و”أنصارهم”… ولا توجد أيّ مشكلة ظاهرية أو خفيّة مع أحد، ليس هذا فحسب، بل تراهم في سعي دائم ليكونوا ذوي فائدة لكل مَن حولهم، ويبدون عناية فائقة لعدم إثارة أيّ مشاكل أو حسّاسيات في المجتمع الذي يعيشون فيه، وعندما يرون سلبيات في مجتمعهم فلا يتصرّفون كمُحاربين غلاظ، بل كمُرشدين رحماء يقومون بدعوة الأفراد إلى الأخلاق الفاضلة”. [أرواح نذرت أنفسها للحق تعالى].

إن هذا الصفات الربانية هي صفات المسار النوراني للأنبياء والرسل، تشرّبوها وحيًا تضمّنته الكتب السماوية، وطافوا بمصابيحها بين الحيارى والضالّين، وعلى امتداد فترات نُبوّتهم سعوا لاقتلاع نبتات الشيطان وغرْس بذور الإيمان في القلوب بكل الرحمة التفهّم، فآمن بهم مَن آمن، وكذّب وعصى الأشقى، حتى إذا جائت الفترة النبوية المحمدية، كان الزرع الرسالي قد استغلظ واستوى على سوقه، فجاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.

وقد صاغ الأستاذ كولن في مقالات رائعة بمجلّة “حراء” معالم هذا الدرب النبوي، وملامح الذين يتطوعون للانخراط في سلكه، وهم الذين تقع على عاتقهم مهمّة إعادة الروح الإيمانية للناس، وعليهم أن يتذكروا أنّ حصاد جهدهم وإن كان هزيلا على المدى المنظور، فثماره بفضل الله عز وجل ستؤتي أكلها ولو بعد حين.

وفي السياق تطالعني تلك القصّة المليئة بالحكَم والتي تقول: إن طفلا رأى جدّه يقرأ ويحفظ من كتاب الله عز وجلّ يوميًّا، فأراد كما جدّه أن يحفظ القرآن، فلم يفلح، فأخبر جدّه بمحاولاته الفاشلة لحفظ كتاب الله عز وجل. فأخذ الجد سلّة من قصب وسلّمها لابنه وطلب منه أن يملأ الجرة بالماء، فركض الطفل إلى النهر، وحاول ملْء السلّة، لكنه كان يفقد الماء المتسرّب من شقوق السلة في كل مرة. فعاد باكيًا حزينًا إلى جدّه، فأجلسه إلى جانبه وسأله: ألم تكن السلة متّسخة؟ فال الولد: بلى. قال الجد: ألم تلاحظ أنها غدت نظيفة؟ قال الولد: نعم، هي كذلك. قال الجد: ألم تلاحظ أن السلّة غدت ثقيلة؟ قال الولد: نعم. قال الجد: إنه الماء الذي أمسكَتْه السلّة.. وكذالك القرآن، لا يذهب أثره من روح وكيان الإنسان، وإن كان يتفلّت كما يتفلّت الماء من السلّة.

وهو الأثر الذي يبذل في سبيله الأستاذ كولن، فكره وجسده العليل، لتركيزه في قلوب الناس، ولينفخ في أعماقهم روح الجهد والعمل للدين. وسبحان الله، ألم يقل المصطفى صلى الله عليه وسلم: “من ليس في جوفه شيء من القرآن فهو كالبيت الخرب”.

المصدر: جريدة “المحجّة” المغربية، العدد: 376 (17 مارس 2012)

Share:

More Posts

عمى النظام

إنّ الذين يعملون داخل نظامٍ وكيانٍ معيّن قد يُصابون مع مرور الوقت بما يُسمى “عمى النظام”؛ أو ما يمكن أن نسميه بالرتابة والاستسلام للإلف والتعوّد، فلا جَرَمَ أنّ تكرار الأعمال على الدوام بشكلٍ معين وتنسيقٍ محدَّدٍ روتينيٍّ يؤدّي إلى الرتابة، فإن لم يُراجَع هذا النظام ويُجدَّد على فترات معينة، ولم تُسدَّ الثغرات وتُكمَّل النواقص؛ حصل…

آفة الدين ثلاثة

سؤال: جاء في الحديث: “آفَةُ الدِّینِ ثَلَاثَةٌ: فَقِیهٌ فَاجِرٌ وَإِمَامٌ جَائِرٌ وَمُجْتَهِدٌ جَاهِلٌ”[1]، فما السمات المشتركة التي جعلت من هذه الفئات الثلاث المذكورة في الحديث آفةً للدين؟
الجواب: رغم أن هذا القول الذي رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد انتُقد من حيث ضوابط ومعايير علم مصطلح الحديث فلا شك أنه يعبّر من حيث المعنى عن حقيقة مهمّة…

الإسلام مبنيٌّ على اليُسْرِ

سؤال: بما أنّ الإسلامَ دينُ يُسرٍ وليس دينَ عسرٍ؛ فلماذا تصعب على أجيال اليوم معايشة الإسلام الحقيقي؟ وكيف نفهم هذا الوضع الذي يبدو متناقضًا في الظاهر؟
الجواب: حتى نفهم المسألة فهمًا صحيحًا لا بد أن نؤكد بدايةً على أن العسر واليسر مفهومان نسبيان؛ بمعنى أن هذه المسألة تختلف تبعًا لفهم الأفراد وتصوراتهم، فقد يجد البعض صعوبةً في أداء…

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

سؤال: أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وحثنا بوسائل شتى على الصلاة والسلام عليه، فكيف نفهم هذه الوصية؟ وكيف ننفذ هذا الأمر؟
الجواب: حثنا النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في السؤال- على الصلاة والسلام عليه في كثير من أحاديثه المباركة، ومن ذلك قوله: “إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فِي الدُّنْيَا”[1]،…

الذنب والتوبة

لم يكن الحسدُ والكبرُ والعصيانُ فحسب السببَ في طرد الشيطان من الحضرة الإلهية، إنما قيامُه بعد العصيان باختلاق المبررات والأعذار، ولُجوؤه إلى الجدل، ومحاولتُه تبريرَ خطيئته.. وعلى الجانب الآخر فقد استوعب أصحابُ الطبائع السليمة دقّةَ الامتثال للأمر؛ فما إن تعثّروا وسقطوا حتى نهضوا واستقاموا وتوجهوا إلى الباب الذي عليهم أن يتوجهوا إليه، وسألوا الله العفو…

لمحات حول تطوير الفقه الإسلامي

سؤال: ما نوع الدراسات التي توصي بإجرائها في مجال الفقه كي يتسنى التغلب على الركود المستمر منذ ثلاثة أو أربعة قرون؟
الجواب: بداية ثمة فائدة في التذكير بأمر ما يتعلق بالموضوع، ألا وهو أن علم الفقه معجزة من معجزات القرآن والفكر الإسلامي؛ فقد نظم الفقهاء المسلمون الحياة بأدقِّ تفاصيلها من خلال الأحكام التي توصلوا إليها كنتاج لعمل جاد،…

“فوائد قصة “هابيل” و”قابيل

سؤال: ما الرسائل المراد إيصالها إلى المؤمنين من خلال قصة “هابيل” و”قابيل”؟
الجواب: أودّ أن أتطرّق إلى مبدإٍ عام قبل الإجابة على هذا السؤال، فمن المؤكد أن لكل واقعة مذكورة في القرآن الكريم جانبًا يهمّنا، وعلينا أن نعثر على جوانبها التي تتعلق بيومنا، ونأخذ العبرة والدروس منها؛ فالقرآن لا يتحدث عن الماضي سردًا لمعلومات تاريخية فحسب؛ بل إنه…

قَدَرُ الطريق

في مواجهة المظالم المعيشة في يومنا، يعاني الكثير منا المشاعر نفسها ونحمل الأفكار عينها في كل حركاتنا وسكناتنا؛ فينقضُّ نومنا، ونئنّ ألمًا وحزنًا، ومع ذلك نؤمن تمامًا بأنه إذا استطعنا أن نواجه بصبرٍ ورضًا البلايا والمصائب التي نتعرّض لها، فإن جميع المشاكل والصعوبات التي نعانيها في هذا العالم ستكون وسيلة مهمة لفوزنا في الآخرة، وإن…

السبيل إلى الحفاظ على الحياة الروحية

سؤال: كيف نحافظُ على النقاء المعهود في أيام الخدمة الأولى، ونستمرُّ في مواصلة الشد المعنوي، وتنشئةِ رجالٍ جددٍ للدّعوة؟
الجواب: بداية أودّ أن أؤكّد على حقيقة أُشيرَ إليها في السؤال، ألا وهي أن الناس كانوا في السنوات الأولى من الخدمة مخلصين ومضحّين للغاية.. فلم يكن لديهم مطلبٌ سوى رضا الله، وكان الوفاق والاتفاق رائعًا بين المتطوعين في الخدمة…..

الموقف الثابت والأقنعة الساقطة

كلُّ مشكلةٍ ومعاناةٍ تعيشها تكون حبلى بالبهجة والسرور، وبالتالي يجب عليك أن تتحمل فترة الحمل.. فإذا كنت تريد أن يكون لديك ابنٌ كهالة النور وأن تضمّه إلى حضنك، فعليك أن تتحمل المتاعب التي ستتعرض لها قبل ذلك وأن تعمل على مواجهتها بصبرٍ، وهذا بالطبع ليس بالأمر السهل، ولكنك ستشعر بعد ذلك بفرحة تنسيك معاناتك السابقة،…

Send Us A Message