روح الجهاد وحقيقته في الإسلام

Home » Arabic (العربية) » دراسات » الضاربون في الأرض » روح الجهاد وحقيقته في الإسلام

المؤمن الحق كما يريده “الإيمان” نفسه، رجل لا يمكن أن تستـنـزفه تفاهات العيش، بل هو رجل ثائر بكل معنى الكلمة ضد “التفاهة” بكل أنواعها وأشكالها… صحيح أننا نحيا في هذا العالم، إلاَّ أننا نَمتُّ بصلة قوية إلى عوالم جادّة غاية الجد تسكن خارج عالمنا. وإنّ حياتنا الأوسع والأعمق حياةٌ موجودة خارج هذه الحياة، ومرتبطة أشد الأرتباط بالقوى الإلهية الخلاّقة التي صنعت الإنسان ومنحتْ كيانه الأعماقي قوى وطاقاتٍ إذا ما استطاع أن يفجرها فإن دويُّها سيملأ الآفاق، وسيرى في رعودها وبروقها رعود روحه وبروق قلبه.

والمؤمن -كما يريده خالقه- إنسان إيجابي فَعَّال يشارك بكل طاقاته وإمكاناته في حلّ معضلات الوجود الإنساني على هذه الأرض، ولا يقف قَطُّ منها موقف المتطلع والمتفرج، لأنَّ من أعظم مهماته ومسؤولياته الموكَّلة إليه من ربِّ العالمين الاستماتة من أجل إطلاق قوى الإيمان الخفية والفطرية في الكيان البشري، لكي يزداد الإنسان فهمًا عن نفسه وبالتالي يزداد وعيًا وإدراكًا لعمله الرسالي في هذا العالم… فالأمر الوحيد الذي يستحق أن يكافح الإنسان من أجله طوال عمره هو أن يكون إنسانًا إلهيًّا ربّانيًّا.. فما لم يتحول تاريخ المؤمن كله ليكون تعبيرًا حيًّا عن إرادة الله فيه وفي العالم، فإنه لن يشفى من كساحه الروحي المميت.. وما لم تواته الجرأة على تحطيم حبوسه الضيقة التي ألقاه فيها الزمن، والانطلاق بقوة إلى ما فوق الزمن، ليرى العالم من هناك، ويرى مكانه من هذا العالم، فإن دمارًا روحيًّا رهيبًا سيلحق به لا يقْدر على تجنبه، وسيظل لقية مهملة في زنزانات التاريخ لا تثير انتباه أحد. ولا خلاص للمؤمن اليوم من هذه الاندحارات الروحية والمادية سوى بعْثه من جديد لروح الجهاد في روحه وعقله.

روح الجهاد وحقيقته في الإسلامفالجهاد بمفاهيمه العميقة والواسعة التي يحدثنا عنها أستاذنا الكبير فتح الله كولن هو عملية فصد للدم الفاسد والآسن في روح المسلم بسبب جموده وركونه إلى الراحة والدَّعة، وتخلّيه عن مهماته ومسؤولياته تجاه نفسه وأمّته والعالم.. فالكسل والفراغ عنصران من عناصر التدَهور والانحلال وخور الروح والقلب كما يرى أستاذنا.

فالجهاد بشقَّيه الأصغر والأكبر كما جاء في الحديث الشريف دواء لا دواء سواه لاسترداد المسلم لعافيته الإيمانية وصحّته النفسية والعقلية، وإنقاذه من السقوط في التفاهة والعبثية و “اللامعنى”… وعلى المسلم أن ينتفض من رقاده الطويل، ويسارع إلى اقتحام أهوال الجهاد في ميدان نفسه الوسيع أولاً، لتزكيتها وترقيتها وترويضها، لكي تحيا ضمن مقومات الإيمان وتعاليم الإسلام، فتبلغ من الرقيّ والتزكية حدًّا تؤهّل صاحبها لتلقّي الإمدادات الإلهية والقدرات الربانية، فيمتلك من هذه القوى ما يرشحه لكي يكون عقل العالم إذا جُنَّ، وميزانه إذا اختلَّ، واعتداله إذا اشتطَّ، وإيمانه إذا كفر، وحلمه إذا جهل، وعدله إذا ظلم، ودواءه إذا مرض… وإن كل قطرة دم تهرق ظلمًا وعدوانًا في أي مكان من العالم تستصرخه وتشكو إليه، لأنه هو خليفة الله في أرضه، ورحمته على عباده.. وبذلك يغدو المسلم نقطة المركز في دائرة العالم في الحقّ والعدل والخير.

فحقيقة الجهاد وروحه -كما يعرضه لنا الأستاذ- إنما هو مداد ودم، وكلمة وسيف، ونور ونار.. وليس هو دمًا وسيفًا ونارًا فقط، بل هو كل أولئك، وإلاّ تحوّلنا دون أن نشعر -من كوننا عنصر بناء وإعمار كما يريدنا الإسلام- إلى عنصر هدم وتخريب وحرق وإحراق، ونكون قد أسأنا إلى إسلامنا وعتَّمنا عليه وغشيناه بسحب سوداء قاتمة تجعل الآخرين يخافون منا كما يخافون من أشباح الليل وقواه الشيطانية.

هذه المفاهيم عن الجهاد وإن كان عمرها أربعة عشر قرنًا إلاّ أن الكثير منا -ولا سيما في هذا العصر- قد نسيها أو تناساها أو أكد على جانب منها دون جانب، أو أخذ منها ما يروق له ويخدم توجهاته الفكرية أو السياسية، وأغفل عن عمد جوانبها الأخرى… غير أن أستاذنا -أمد الله في عمره- عالج موضوع “الجهاد” من جميع جوانبه، ووضع هذه المفاهيم تحت حزم ضوئية قوية كشافة، حتى لا يلتبس الأمر على الدارس الجاد الذي يبتغي الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة.

فذهنية المسلم اليوم ذهنية معذبة تعاني من اختلاط الأوراق واختلاف الأفكار والمفاهيم، وكثرة الالتباسات والاشتباهات التي علقت بالكثير من المصطلحات الإسلامية… ولعلَّ أخطر هذه الالتباسات ما لحق بمصطلح “الجهاد” في الإسلام، حيث أحاق بهذا المصطلح ظلم عظيم سواء من قبل الأعداء المتربّصين بالإسلام كلَّ شر، أو مِن بعض الأصدقاء الذين يحْلو لهم أن يفسروه كما يشاؤون من دون أن يبذلوا أي مجهود لدراسته الدراسة الـمُعمَّقة للتعرف على حقيقته ومفاهيمه وأبعاده الإنسانية.

ولا أضيف جديدًا إذا قلت: إن هذا الكتاب هو دراسة معمّقة جدًّا لمصطلح “الجهاد في الإسلام” على ضوء الكتاب والسنة، واستقراء التاريخ والسيرة، مع عرض نماذج من شخصيات صحابية خطوا بدمائهم الزكية أعمق معالم الجهاد المعنوي والمادي -كما يعبّر الأستاذ- على صفحات تاريخ الإسلام.. ولا أشك لحظة واحدة بأن هذا الكتاب سيملأ فراغًا فكريًّا في ذهن المثقّف المسلم، وسيجلي ما غمض من أمر الجهاد في النفوس أو اعوجّ من شأنه عند الآخرين، وسيكشف عن ممارسات مغلوطة تمارس باسم الجهاد بينما هي أبعد ما تكون عنه.

والكتاب يعرض بعد ذلك شمولية الإسلام في تناول قضايا الحياة كافة، واحتضانه الإنسانية جمعاء، وتوفيقه بين شؤون الدنيا والعُقبى، ورفعه الإنسان إلى مرتبة أحسن تقويم. كما يشرح الجهاد الأصغر والأكبر بشكل تفصيلي مع بيان وظائف الجهاد وما يلحق بالمسلمين من المهالك والأخطار بتركه. ويبين مدى خطر الإرهاب وخدمته للأعداء الخارجيّين الذين يريدون الصيد في الماء العكر.

والمؤلف بأسلوبه البديع يخرج الجهاد من مفهومه الضيق، ويجعله أمرًا يملأ حياة المسلم بكل حركاته وتصرّفاته وسكناته وتفكيره.. وأن الجهاد الأصغر مرتبط بما يحرزه المسلم من الانتصار في ساحات الجهاد الأكبر في نفسه وعالمه الداخلي. وعلى المسلم أن يقوم بوظيفة التبليغ والإرشاد في المجتمع الذي يعيش فيه لإنقاذ مَن يجوب في وديان الضلالة ويضيّع حياته في سبيل العدم.. وأن الجهاد هو وظيفة الأنبياء وسبب خلق الإنسان وشأن الخلافة على الأرض، وذلك أن الهدف المقدّر للإنسان هو الإيمان بالله ومعرفته تعالى والوصول إلى طريق الخلود بتلك المعرفة والإيمان ورؤية جلوات البقاء والخلود في هذا العالم الفاني.. والجهاد بمفومه الواسع هو الكفيل بالوصول إلى هذا الهدف المنشود.

Share:

More Posts

عمى النظام

إنّ الذين يعملون داخل نظامٍ وكيانٍ معيّن قد يُصابون مع مرور الوقت بما يُسمى “عمى النظام”؛ أو ما يمكن أن نسميه بالرتابة والاستسلام للإلف والتعوّد، فلا جَرَمَ أنّ تكرار الأعمال على الدوام بشكلٍ معين وتنسيقٍ محدَّدٍ روتينيٍّ يؤدّي إلى الرتابة، فإن لم يُراجَع هذا النظام ويُجدَّد على فترات معينة، ولم تُسدَّ الثغرات وتُكمَّل النواقص؛ حصل…

آفة الدين ثلاثة

سؤال: جاء في الحديث: “آفَةُ الدِّینِ ثَلَاثَةٌ: فَقِیهٌ فَاجِرٌ وَإِمَامٌ جَائِرٌ وَمُجْتَهِدٌ جَاهِلٌ”[1]، فما السمات المشتركة التي جعلت من هذه الفئات الثلاث المذكورة في الحديث آفةً للدين؟
الجواب: رغم أن هذا القول الذي رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد انتُقد من حيث ضوابط ومعايير علم مصطلح الحديث فلا شك أنه يعبّر من حيث المعنى عن حقيقة مهمّة…

الإسلام مبنيٌّ على اليُسْرِ

سؤال: بما أنّ الإسلامَ دينُ يُسرٍ وليس دينَ عسرٍ؛ فلماذا تصعب على أجيال اليوم معايشة الإسلام الحقيقي؟ وكيف نفهم هذا الوضع الذي يبدو متناقضًا في الظاهر؟
الجواب: حتى نفهم المسألة فهمًا صحيحًا لا بد أن نؤكد بدايةً على أن العسر واليسر مفهومان نسبيان؛ بمعنى أن هذه المسألة تختلف تبعًا لفهم الأفراد وتصوراتهم، فقد يجد البعض صعوبةً في أداء…

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

سؤال: أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وحثنا بوسائل شتى على الصلاة والسلام عليه، فكيف نفهم هذه الوصية؟ وكيف ننفذ هذا الأمر؟
الجواب: حثنا النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في السؤال- على الصلاة والسلام عليه في كثير من أحاديثه المباركة، ومن ذلك قوله: “إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فِي الدُّنْيَا”[1]،…

الذنب والتوبة

لم يكن الحسدُ والكبرُ والعصيانُ فحسب السببَ في طرد الشيطان من الحضرة الإلهية، إنما قيامُه بعد العصيان باختلاق المبررات والأعذار، ولُجوؤه إلى الجدل، ومحاولتُه تبريرَ خطيئته.. وعلى الجانب الآخر فقد استوعب أصحابُ الطبائع السليمة دقّةَ الامتثال للأمر؛ فما إن تعثّروا وسقطوا حتى نهضوا واستقاموا وتوجهوا إلى الباب الذي عليهم أن يتوجهوا إليه، وسألوا الله العفو…

لمحات حول تطوير الفقه الإسلامي

سؤال: ما نوع الدراسات التي توصي بإجرائها في مجال الفقه كي يتسنى التغلب على الركود المستمر منذ ثلاثة أو أربعة قرون؟
الجواب: بداية ثمة فائدة في التذكير بأمر ما يتعلق بالموضوع، ألا وهو أن علم الفقه معجزة من معجزات القرآن والفكر الإسلامي؛ فقد نظم الفقهاء المسلمون الحياة بأدقِّ تفاصيلها من خلال الأحكام التي توصلوا إليها كنتاج لعمل جاد،…

“فوائد قصة “هابيل” و”قابيل

سؤال: ما الرسائل المراد إيصالها إلى المؤمنين من خلال قصة “هابيل” و”قابيل”؟
الجواب: أودّ أن أتطرّق إلى مبدإٍ عام قبل الإجابة على هذا السؤال، فمن المؤكد أن لكل واقعة مذكورة في القرآن الكريم جانبًا يهمّنا، وعلينا أن نعثر على جوانبها التي تتعلق بيومنا، ونأخذ العبرة والدروس منها؛ فالقرآن لا يتحدث عن الماضي سردًا لمعلومات تاريخية فحسب؛ بل إنه…

قَدَرُ الطريق

في مواجهة المظالم المعيشة في يومنا، يعاني الكثير منا المشاعر نفسها ونحمل الأفكار عينها في كل حركاتنا وسكناتنا؛ فينقضُّ نومنا، ونئنّ ألمًا وحزنًا، ومع ذلك نؤمن تمامًا بأنه إذا استطعنا أن نواجه بصبرٍ ورضًا البلايا والمصائب التي نتعرّض لها، فإن جميع المشاكل والصعوبات التي نعانيها في هذا العالم ستكون وسيلة مهمة لفوزنا في الآخرة، وإن…

السبيل إلى الحفاظ على الحياة الروحية

سؤال: كيف نحافظُ على النقاء المعهود في أيام الخدمة الأولى، ونستمرُّ في مواصلة الشد المعنوي، وتنشئةِ رجالٍ جددٍ للدّعوة؟
الجواب: بداية أودّ أن أؤكّد على حقيقة أُشيرَ إليها في السؤال، ألا وهي أن الناس كانوا في السنوات الأولى من الخدمة مخلصين ومضحّين للغاية.. فلم يكن لديهم مطلبٌ سوى رضا الله، وكان الوفاق والاتفاق رائعًا بين المتطوعين في الخدمة…..

الموقف الثابت والأقنعة الساقطة

كلُّ مشكلةٍ ومعاناةٍ تعيشها تكون حبلى بالبهجة والسرور، وبالتالي يجب عليك أن تتحمل فترة الحمل.. فإذا كنت تريد أن يكون لديك ابنٌ كهالة النور وأن تضمّه إلى حضنك، فعليك أن تتحمل المتاعب التي ستتعرض لها قبل ذلك وأن تعمل على مواجهتها بصبرٍ، وهذا بالطبع ليس بالأمر السهل، ولكنك ستشعر بعد ذلك بفرحة تنسيك معاناتك السابقة،…

Send Us A Message