القيم الأوْلَى بمزيد من الاهتمام

Home » Arabic (العربية) » شجرة التصنيفات » الجرة المشروخة » القيم الأوْلَى بمزيد من الاهتمام

القيم الأوْلَى بمزيد من الاهتمام

إلى اليوم والتعريف بالإسلام -مع الأسف- يجري بشكل خاطئ للغاية، مما أدى إلى تشكُّلِ تصوُّرات وانطباعات خاطئة عن الإسلام والمسلمين، بالإضافة إلى أنه لم تَعُدْ لدى الغالبية العظمى من المسلمين -وليس الذين يدينون بديانات مختلفة فقط- معرفةٌ سليمة بالذات الإلهية، لدرجة أن مفهوم الذات الإلهية أصبح عرضةً لمفاهيم قاصرةٍ منحرفةٍ، كما أُطلِقت في المحافل المختلفة ادعاءات وافتراءات لا يتصوّرُها العقل حول شخصية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبوّته وزواجه وهجرته ومناحي حياته الأخرى؛ بشكلٍ يُشْعِرُ بالحرج من نقلها والكشفِ عنها.

التكامل بين المعاناة والحركة

وإن إنقاذَ الإنسانية من مثل هذه المفاهيم الخاطئة، وتصحيحَ الأفكار المغلوطةِ المتعلقةِ بالألوهيّةِ والنبوّةِ، وحسنَ شرح الحقائق الدينية لَمِن صميمِ المسؤوليات الواقعة على عاتق جميع المسلمين اليوم، فإن لم يستطع هؤلاء التعبير عن ربهم ونبيهم اللذين يؤمنون بهما فمن يستطيع إذًا؟! ليس الحلُّ هو الشعور بالغضب والاستياء من الأفكار الخاطئة الضالة، ولا الحزنُ إزاء تدحرج الناس في جهنم، ولا البكاءُ والتحسّرُ على وضع المسلمين البائس، ولا تسطيرُ ملاحم حماسية متعلّقة بالإسلام، وإنما المهمّ هو الكفاح والسعي والمحاولة الدؤوبة للقيام بشيء ما.

إن الألم الذي يشعر به المرء إزاء جهلِ الإنسانية، وبُعدِها عن دينها، وعدمِ معرفتها بربها يجب ألا يكون مجرد تنهيدة جافة.. ومما لا شك فيه أن لمثل هذه التنهيدة والألم والمعاناة أهميةً أيضًا، فَحالُ الإنسان الذي يتضعضع أمام مشاكل الإنسانية، حتى يفرّ النوم من عينينه، فيغدو ويروح كالمجنون؛ إنما هو جدير بالتقدير والإعجاب.. وهو دليلٌ على رحابة شفقته، وعظمة حساسيّته ودقّته، ولكن المهم هو أن يتحول هذا الانفعال الداخلي إلى واقع عملي، فبدلًا من أن يترنح الإنسان يمنة ويسرة كالمجنون عليه أن يتجول بين الناس، وأن يبذل سعيه على الدوام، فمن جهة يسعى لأن يكون نموذجًا إسلاميًّا يُحتذى به، ومن جهة أخرى ينفذ إلى قلوب الآخرين بصوته ونفَسه الممتلئين بالصدق والإخلاص بينما يعرض نموذجًا طيبًا عن الإسلام.

أجل، لا يجدر بالفرد أن يقف عاطلًا، بل عليه أن يحوِّل أفكاره ومشاعره إلى عمل واقعي، وأن يسعى إلى استخدام كل ما يملك من إمكانيات في سبيل مالك الملك سبحانه وتعالى، فمثلًا أرباب القلم عليهم أن يستخدموا قلمهم في التعريف برب العالمين والتبليغ عنه، وليس من أجل التعبير عن أنفسهم بعبارات مُنَمَّقَة؛ فالإنسان الذي يتمتع بالقدرة على نظم الشعر لا ينبغي له أن يثرثر بكلام لا معنى له ولا غاية، بل يعمل على إثارة الحماس في القلوب إزاء القيم التي يؤمن بها، فلا يتحرك بمنطق: “الفن من أجل الفن”، بل يستعمل كل ضروب النظم والنثر ليكون صوتًا ونفَسًا للحق والحقيقة.

وبغض النظر عن العمل الذي يضطلع به الكاتب سواء أكان قصة أو رواية أو سيناريو لفيلم فلا بد من سمو الغاية التي يصبو إليها، وإبراز منظومة قيمنا الذاتية من خلال هذا العمل، ولا تُهمَل أية ساحة تعود بالنفع على الناس. 

فعلى من لديهم القدرة على الخطابة والإلقاء وتأليف القصص ونظم الأشعار والمدائح وكتابة السيناريوهات أن يعبروا بخطبهم وبياناتهم وقصصهم وأشعارهم ومدائحهم وأفلامهم ومسلسلاتهم عن عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم وصدقه وفطنته بكل أبعادها، وأن يزيلوا من الأذهان كلَّ شكٍّ أو شبهةٍ تدور حوله، فلا يبقَ في الأذهان أدنى شكّ في هذه الشخصية الفاضلة؛ لأنه بقدر قوة إيمان الناس بمفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم تكون درجة التفافهم حول الرسالة التي جاء بها إليهم، وأيُّ شكٍّ أو شبهة تجاهه يتبعُها شكٌّ وشبهةٌ في رسالته معاذ الله!

تعريف الإنسانية برسول الله صلى الله عليه وسلم

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر، وليس بإله، فهو شخصية عظيمة، صنعه الله على عينه؛ لتحيا الإنسانية بفضله من جديد، ويتحقق على يديه -بإذن الله- انبعاثٌ جديد على مستوى العالم، فكما أن إسرافيل عليه السلام يكون سببًا في بعث الموتى عند نفخه في الصور، فكذلك هو صلى الله عليه وسلم، اختصه الله تعالى بمهمة بعث الإنسانية من جديد بعد أن ماتت روحًا ومعنى، فلا يصح النظر إليه على أنه إنسان عادي، ولا اعتبارُه شخصًا متوسّط المستوى، ولا التشكيكُ فيه، ولا المساءلة عنه، وإنَّ تعريفَ الآخرين بذلك يُعدّ مسؤولية عظمى تقع على عاتق الذين تعرفوا عليه بشكلٍ يتناسب مع قامته وقدره العظيمين.

وبغض النظر عن الوسيلة سواء أكانت شفهية أو كتابية أو مرئية أو مسموعة فلا بد من استغلالها جميعًا في هذا الاتجاه، وأن نزرع في قلب الإنسانية بقصصنا وأشعارنا ومسلسلاتنا وأفلامنا محبةَ النبي صلى الله عليه وسلم وفكرةَ النبوة الصحيحة، كثيرًا ما شاهدتُ فيلم “الرسالة” للمخرج مصطفى العقاد، ورغم ما فيه من أخطاء وقصور وثغرات منطقية ففي كل مرة أشاهده يطبع في نفسي تأثيرًا مختلفًا عميقًا؛ فكما يقول المثل العربي: “ليس من رأى كمن سمع”، ورغم معرفتنا بأنه لا يعدو كونه فيلمًا إلا أننا لا نستطيع أن نخفي إعجابنا بالرسالة التي يقدمها، والانقلاب الذي يُحدثه، والتغيير الذي يحققه.

فلِمَ لا نقدم الأفكار البلورية حول النبي صلى الله عليه وسلم بحيوية هذه الأفلام والمسلسلات على الأجيال الشابة؟! ولِم لا نثير في الناس تعاطفًا قلبيًّا تجاهه صلى الله عليه وسلم باستغلال كل التقنيات والإمكانيات المتوفرة في عصرنا؟! ولم لا نُظهر الحلول والوصفات العلاجية التي قدمها النبي صلى الله عليه وسلم للمشاكل المتداخلة التي تعيشها الإنسانية اليوم؟! والأكثر من ذلك لم لا نزرع في نفوس الجميع أن السيدة عائشة رضي الله عنها هي واحدة من أمهات المؤمنين المباركات التي تتوَّج بها الرؤوس؟! ولم لا نظهِر -عن طريق الأفلام والمسلسلات- عظمةَ سادتنا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين؟! ولم لا نُصلِح ما تسببه بعضُ المتكلمين من تشقّقات وتصدّعات حول سيرة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين؟!  

إن كل واحدة من هذه المسائل تعدّ بذاتها وظيفة ملقاة على كل من يحمل حبًّا وتقديرًا واحترامًا للصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فقد أسهم هؤلاء الصحابة بدور كبير في نقل الإسلام غضًّا طريًّا إلينا، وصانوا الدين بأرواحهم، ونشروه بكل أرجاء العالم، ونقلوه إلينا بشكل صحيح، وتكفلوا بفهمنا الصحيح له عبر تمثيلاتهم الدقيقة وتفسيراتهم العميقة.

فثمة حاجة ماسة لتعريف الإنسانية من جديد بمفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم الذين نصروا الدين وذادوا عنه، وألا نتناول المسألة على أنها مجرد حكاية لحدث من أحداث السيرة أو عرض تسلسل زمني للأحداث، بل يجب سبر أغوار كل حادثة، وإسقاطها على الواقع، والتعامل مع عصر السعادة بمنطق فقه السيرة، وأن نكشف عن جانب فطنته صلى الله عليه وسلم، وهو جانبٌ عميقٌ وصعب المنال من خلال الأحداث الواقعية.

ما يجبُ تصويب الهمّة نحوه

إن الوظيفة الأهم التي تقع على عاتقنا هي إعادة وضع القيم التي نُسيت وشوِّهت وحرِّفت في موضعها الصحيح، وعدم السماح لإثارة الشبهات حولها أو زعزعتها من قِبل البعض، ولذلك فإن الحاجة تدعو إلى تكثيف الهمة حول هذه النقطة أولًا، ويجب أن يستعمل الجميع كل إمكانياتهم وقدراتهم في هذا السبيل؛ ويجب على صاحب الصوت الجميل بنغماته، وصاحب البيان بكلماته، وأرباب القلم بأقلامهم، وكتّاب السيناريو بأفلامهم أن يسعوا جميعًا إلى بث شعور التوقير والاحترام في القلوب إزاء الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وكتابه الكريم.

وإذا ما نظرنا إلى حياة الأستاذ النورسي رحمه الله رحمة واسعة لألفيناه يحدد الأَوْلوِيات جيدًا، ويركّز ويكثّف همته على المسائل الأهم؛ لأنه أحسنَ قراءة عصره، فعمِل بما تقتضيه ظروف زمانه، وركّز على المسائل الإيمانية، وأسدى خدمات مهمّة للغاية مع حفنة من أتباعه المخلصين الملتفين حوله.. المهم هو تحديد مشاكل العصر واحتياجاته بشكلٍ صحيح أولًا، ثم اغتنام الفرص جيدًا، ثم تقديم الحلول المناسبة التي تفتّقت عن إعمالِ الذهن وتلاقحِ الأفكار.

باختصار لا بدّ من تنحية المسائل الفرعية جانبًا، والتركيز على ما يجب التركيز عليه، وإلا ما استطعنا حل المشاكل القائمة، أو التعبير عما نريد التعبير عنه، وربما هذه هي النقطة التي قصّرنا فيها، ولم نركّز عليها بقدر الكفاية.

Share:

More Posts

عمى النظام

إنّ الذين يعملون داخل نظامٍ وكيانٍ معيّن قد يُصابون مع مرور الوقت بما يُسمى “عمى النظام”؛ أو ما يمكن أن نسميه بالرتابة والاستسلام للإلف والتعوّد، فلا جَرَمَ أنّ تكرار الأعمال على الدوام بشكلٍ معين وتنسيقٍ محدَّدٍ روتينيٍّ يؤدّي إلى الرتابة، فإن لم يُراجَع هذا النظام ويُجدَّد على فترات معينة، ولم تُسدَّ الثغرات وتُكمَّل النواقص؛ حصل…

آفة الدين ثلاثة

سؤال: جاء في الحديث: “آفَةُ الدِّینِ ثَلَاثَةٌ: فَقِیهٌ فَاجِرٌ وَإِمَامٌ جَائِرٌ وَمُجْتَهِدٌ جَاهِلٌ”[1]، فما السمات المشتركة التي جعلت من هذه الفئات الثلاث المذكورة في الحديث آفةً للدين؟
الجواب: رغم أن هذا القول الذي رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد انتُقد من حيث ضوابط ومعايير علم مصطلح الحديث فلا شك أنه يعبّر من حيث المعنى عن حقيقة مهمّة…

الإسلام مبنيٌّ على اليُسْرِ

سؤال: بما أنّ الإسلامَ دينُ يُسرٍ وليس دينَ عسرٍ؛ فلماذا تصعب على أجيال اليوم معايشة الإسلام الحقيقي؟ وكيف نفهم هذا الوضع الذي يبدو متناقضًا في الظاهر؟
الجواب: حتى نفهم المسألة فهمًا صحيحًا لا بد أن نؤكد بدايةً على أن العسر واليسر مفهومان نسبيان؛ بمعنى أن هذه المسألة تختلف تبعًا لفهم الأفراد وتصوراتهم، فقد يجد البعض صعوبةً في أداء…

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

سؤال: أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وحثنا بوسائل شتى على الصلاة والسلام عليه، فكيف نفهم هذه الوصية؟ وكيف ننفذ هذا الأمر؟
الجواب: حثنا النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في السؤال- على الصلاة والسلام عليه في كثير من أحاديثه المباركة، ومن ذلك قوله: “إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فِي الدُّنْيَا”[1]،…

الذنب والتوبة

لم يكن الحسدُ والكبرُ والعصيانُ فحسب السببَ في طرد الشيطان من الحضرة الإلهية، إنما قيامُه بعد العصيان باختلاق المبررات والأعذار، ولُجوؤه إلى الجدل، ومحاولتُه تبريرَ خطيئته.. وعلى الجانب الآخر فقد استوعب أصحابُ الطبائع السليمة دقّةَ الامتثال للأمر؛ فما إن تعثّروا وسقطوا حتى نهضوا واستقاموا وتوجهوا إلى الباب الذي عليهم أن يتوجهوا إليه، وسألوا الله العفو…

لمحات حول تطوير الفقه الإسلامي

سؤال: ما نوع الدراسات التي توصي بإجرائها في مجال الفقه كي يتسنى التغلب على الركود المستمر منذ ثلاثة أو أربعة قرون؟
الجواب: بداية ثمة فائدة في التذكير بأمر ما يتعلق بالموضوع، ألا وهو أن علم الفقه معجزة من معجزات القرآن والفكر الإسلامي؛ فقد نظم الفقهاء المسلمون الحياة بأدقِّ تفاصيلها من خلال الأحكام التي توصلوا إليها كنتاج لعمل جاد،…

“فوائد قصة “هابيل” و”قابيل

سؤال: ما الرسائل المراد إيصالها إلى المؤمنين من خلال قصة “هابيل” و”قابيل”؟
الجواب: أودّ أن أتطرّق إلى مبدإٍ عام قبل الإجابة على هذا السؤال، فمن المؤكد أن لكل واقعة مذكورة في القرآن الكريم جانبًا يهمّنا، وعلينا أن نعثر على جوانبها التي تتعلق بيومنا، ونأخذ العبرة والدروس منها؛ فالقرآن لا يتحدث عن الماضي سردًا لمعلومات تاريخية فحسب؛ بل إنه…

قَدَرُ الطريق

في مواجهة المظالم المعيشة في يومنا، يعاني الكثير منا المشاعر نفسها ونحمل الأفكار عينها في كل حركاتنا وسكناتنا؛ فينقضُّ نومنا، ونئنّ ألمًا وحزنًا، ومع ذلك نؤمن تمامًا بأنه إذا استطعنا أن نواجه بصبرٍ ورضًا البلايا والمصائب التي نتعرّض لها، فإن جميع المشاكل والصعوبات التي نعانيها في هذا العالم ستكون وسيلة مهمة لفوزنا في الآخرة، وإن…

السبيل إلى الحفاظ على الحياة الروحية

سؤال: كيف نحافظُ على النقاء المعهود في أيام الخدمة الأولى، ونستمرُّ في مواصلة الشد المعنوي، وتنشئةِ رجالٍ جددٍ للدّعوة؟
الجواب: بداية أودّ أن أؤكّد على حقيقة أُشيرَ إليها في السؤال، ألا وهي أن الناس كانوا في السنوات الأولى من الخدمة مخلصين ومضحّين للغاية.. فلم يكن لديهم مطلبٌ سوى رضا الله، وكان الوفاق والاتفاق رائعًا بين المتطوعين في الخدمة…..

الموقف الثابت والأقنعة الساقطة

كلُّ مشكلةٍ ومعاناةٍ تعيشها تكون حبلى بالبهجة والسرور، وبالتالي يجب عليك أن تتحمل فترة الحمل.. فإذا كنت تريد أن يكون لديك ابنٌ كهالة النور وأن تضمّه إلى حضنك، فعليك أن تتحمل المتاعب التي ستتعرض لها قبل ذلك وأن تعمل على مواجهتها بصبرٍ، وهذا بالطبع ليس بالأمر السهل، ولكنك ستشعر بعد ذلك بفرحة تنسيك معاناتك السابقة،…

Send Us A Message