من وحي رمضان

كما لا يُسْبَرُ غَورُ الضوء، ولا يُقَاسُ النُّورُ بمقياس، ولا يَحدُّ الروحَ حدودٌ، هكذا هي صورة رمضان كما تنعكس على مرآة وجدان الشيخ… إنه روح الزمان، وذات الأمة في سُمُّوها الأعلى والأرشد.. فهو يرقى على كل المقاييس والأوزان والحدود عندما يَهِلُّ ويقبل في موكب من النور.. تحفُّ به الملائكة من كل جانب، ويسير متهاديًا في كوكبةٍ من جند الله، فيهبط الأرض بسلام من ربِّ السلام، في موعده من كُلِّ عام، فإذا الأرض سكون وسكينة، وإذا السماء أُنشودةٌ وترنيمة، وإذا النفوس مشاعر عالية، والقلوب ومضات خافقة، والمآقي دموع مغرورقة من نشوة اللقيا، والأرواح شوقٌ وهيام، والفكر نقاء وصفاء، والضمير سُموٌّ وارتقاء.(1)

و”رمضان” -كما هو عند الشيخ- لمسة تمسيدية لأعصاب الزمن المتعبة، ونفخة تحريكية لروح الأمة إذا ما حاق بها الجمود والخمود، وهو معراجها للتفوق على ذاتها، وللتحليق وراء أشواقها، وقلَّما يعرف المسلم وقتًا -كرمضان- يلتقي فيه الفكر بالعمل، والنِيَّة بالعزم، والإدراك بالإرادة.

وعلى شباب الأمة -كما يرى الشيخ- أن يترجموا فكرهم إلى عمل إيجابي في البناء والإعمار، ويكفّوا عن السلبيات وعن إقامة المناحات وذرف الدموع على ما مرَّ عليهم من تجارب فاشلة، أورثت الأمة الكثير من المآسي والآلام والدموع. وخَيْرٌ للأمة أن ترى أبناءها الصادقين يمسحون العرق والغبار عن جباههم وهم يبنون ويعمرون من أن تراهم قابعين يائسين، يندبون حظهم ويبكون عذاباتهم، دون أية محاولة جادّة للخروج من هذه المحنة برؤية جديدة، وسلوك جديد.

والشيخ لا يني يحذر هؤلاء الشباب المُصْطَفَيْنَ الأخيار من مزالق الأقدام، لأنَّ أتفه الأخطاء قد تكون سببًا في إفساد جلائل الأعمال.(2)

وحين يُظِلُّنَا رمضان، يسارع فيرفع الأغشية عن عين روح المؤمن، فيبصر من قريب جلال عظمته، ويستذكر أمجاد أمته، فيرى “بدرًا” الفارقة بين الشرك والإيمان، وهي تتألق بالنصر المبين، ويبصر “مكَّة” وهي فاتحة ذراعيها تستقبل محمدًا (صلى الله عليه وسلم) بشوق عظيم، ومن حوله جنده الميامين.(3)

فرمَضان ينطوي على أعظم معالم الإيمان على وجه الأرض، بل يكاد المسلم لا يشعر بهويته الإيمانية الحق إلاَّ في رمضان، ولا بعمقه الإيماني إلاَّ فيه، ولا بإنسانية عظمته إلاَّ من خلاله… بهذا كلِّه تدق دقائق رمضان، فيشعر المسلم وكأنه يتشرب فيه ما تسكبه سماوات الحق من رحيق العشق الإلهي الذي أثاره محمد (صلى الله عليه وسلم) في وجدان المؤمنين في كل زمانٍ ومكان.

و”رمضان” كائن حي ينبض بحياة الروح والوجدان، وهو مجلببٌ بغوامض الأسرار، وعلى قدر اجتهادنا فيه، وإيغالنا في معانيه، يكشف لنا عن بعض أسراره، يومًا بعد يوم، حتى إذا استضاء الكون بنور “ليلة القدر” فقد بلغ “رمضان” في هذه الليلة قِمَّةَ أسراره، وعظيم عطاياه ومِنَحِهِ.. فإذا بأرواحنا تَصَّعَّدُ في هذه الليلة نحو آفاق نكاد نلمس من خلالها شاطئ الأبدية وهو يتألق تحت أنوار “ليلة القدر”، مناديًا قلوبنا أن ترسي سفائنها على ضفّته، فلا تعد تخشى الغرق في بحار الدنيا…

وهذا هو ما يريده رمضان مِنَّا وما يريده ربُّ الأيام والأزمان والدهور، وربُّ الإنسان، تعالى شأنه وجلَّتْ قدرته.(4)

(1) للمزيد أنظر: ترانيم روح وأشجان قلب، فتح الله كولن؛ ونحن نقيم صرح الروح، فتح الله كولن.
(2) للمزيد انظر: الموازين، فتح الله كولن.
(3) للمزيد انظر: النور الخالد، فتح الله كولن.
(4) للمزيد انظر: ترانيم روح وأشجان قلب، فتح الله كولن؛ ونحن نقيم صرح الروح، فتح الله كولن.

Share:

More Posts

عمى النظام

إنّ الذين يعملون داخل نظامٍ وكيانٍ معيّن قد يُصابون مع مرور الوقت بما يُسمى “عمى النظام”؛ أو ما يمكن أن نسميه بالرتابة والاستسلام للإلف والتعوّد، فلا جَرَمَ أنّ تكرار الأعمال على الدوام بشكلٍ معين وتنسيقٍ محدَّدٍ روتينيٍّ يؤدّي إلى الرتابة، فإن لم يُراجَع هذا النظام ويُجدَّد على فترات معينة، ولم تُسدَّ الثغرات وتُكمَّل النواقص؛ حصل…

آفة الدين ثلاثة

سؤال: جاء في الحديث: “آفَةُ الدِّینِ ثَلَاثَةٌ: فَقِیهٌ فَاجِرٌ وَإِمَامٌ جَائِرٌ وَمُجْتَهِدٌ جَاهِلٌ”[1]، فما السمات المشتركة التي جعلت من هذه الفئات الثلاث المذكورة في الحديث آفةً للدين؟
الجواب: رغم أن هذا القول الذي رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد انتُقد من حيث ضوابط ومعايير علم مصطلح الحديث فلا شك أنه يعبّر من حيث المعنى عن حقيقة مهمّة…

الإسلام مبنيٌّ على اليُسْرِ

سؤال: بما أنّ الإسلامَ دينُ يُسرٍ وليس دينَ عسرٍ؛ فلماذا تصعب على أجيال اليوم معايشة الإسلام الحقيقي؟ وكيف نفهم هذا الوضع الذي يبدو متناقضًا في الظاهر؟
الجواب: حتى نفهم المسألة فهمًا صحيحًا لا بد أن نؤكد بدايةً على أن العسر واليسر مفهومان نسبيان؛ بمعنى أن هذه المسألة تختلف تبعًا لفهم الأفراد وتصوراتهم، فقد يجد البعض صعوبةً في أداء…

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

سؤال: أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وحثنا بوسائل شتى على الصلاة والسلام عليه، فكيف نفهم هذه الوصية؟ وكيف ننفذ هذا الأمر؟
الجواب: حثنا النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في السؤال- على الصلاة والسلام عليه في كثير من أحاديثه المباركة، ومن ذلك قوله: “إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فِي الدُّنْيَا”[1]،…

الذنب والتوبة

لم يكن الحسدُ والكبرُ والعصيانُ فحسب السببَ في طرد الشيطان من الحضرة الإلهية، إنما قيامُه بعد العصيان باختلاق المبررات والأعذار، ولُجوؤه إلى الجدل، ومحاولتُه تبريرَ خطيئته.. وعلى الجانب الآخر فقد استوعب أصحابُ الطبائع السليمة دقّةَ الامتثال للأمر؛ فما إن تعثّروا وسقطوا حتى نهضوا واستقاموا وتوجهوا إلى الباب الذي عليهم أن يتوجهوا إليه، وسألوا الله العفو…

لمحات حول تطوير الفقه الإسلامي

سؤال: ما نوع الدراسات التي توصي بإجرائها في مجال الفقه كي يتسنى التغلب على الركود المستمر منذ ثلاثة أو أربعة قرون؟
الجواب: بداية ثمة فائدة في التذكير بأمر ما يتعلق بالموضوع، ألا وهو أن علم الفقه معجزة من معجزات القرآن والفكر الإسلامي؛ فقد نظم الفقهاء المسلمون الحياة بأدقِّ تفاصيلها من خلال الأحكام التي توصلوا إليها كنتاج لعمل جاد،…

“فوائد قصة “هابيل” و”قابيل

سؤال: ما الرسائل المراد إيصالها إلى المؤمنين من خلال قصة “هابيل” و”قابيل”؟
الجواب: أودّ أن أتطرّق إلى مبدإٍ عام قبل الإجابة على هذا السؤال، فمن المؤكد أن لكل واقعة مذكورة في القرآن الكريم جانبًا يهمّنا، وعلينا أن نعثر على جوانبها التي تتعلق بيومنا، ونأخذ العبرة والدروس منها؛ فالقرآن لا يتحدث عن الماضي سردًا لمعلومات تاريخية فحسب؛ بل إنه…

قَدَرُ الطريق

في مواجهة المظالم المعيشة في يومنا، يعاني الكثير منا المشاعر نفسها ونحمل الأفكار عينها في كل حركاتنا وسكناتنا؛ فينقضُّ نومنا، ونئنّ ألمًا وحزنًا، ومع ذلك نؤمن تمامًا بأنه إذا استطعنا أن نواجه بصبرٍ ورضًا البلايا والمصائب التي نتعرّض لها، فإن جميع المشاكل والصعوبات التي نعانيها في هذا العالم ستكون وسيلة مهمة لفوزنا في الآخرة، وإن…

السبيل إلى الحفاظ على الحياة الروحية

سؤال: كيف نحافظُ على النقاء المعهود في أيام الخدمة الأولى، ونستمرُّ في مواصلة الشد المعنوي، وتنشئةِ رجالٍ جددٍ للدّعوة؟
الجواب: بداية أودّ أن أؤكّد على حقيقة أُشيرَ إليها في السؤال، ألا وهي أن الناس كانوا في السنوات الأولى من الخدمة مخلصين ومضحّين للغاية.. فلم يكن لديهم مطلبٌ سوى رضا الله، وكان الوفاق والاتفاق رائعًا بين المتطوعين في الخدمة…..

الموقف الثابت والأقنعة الساقطة

كلُّ مشكلةٍ ومعاناةٍ تعيشها تكون حبلى بالبهجة والسرور، وبالتالي يجب عليك أن تتحمل فترة الحمل.. فإذا كنت تريد أن يكون لديك ابنٌ كهالة النور وأن تضمّه إلى حضنك، فعليك أن تتحمل المتاعب التي ستتعرض لها قبل ذلك وأن تعمل على مواجهتها بصبرٍ، وهذا بالطبع ليس بالأمر السهل، ولكنك ستشعر بعد ذلك بفرحة تنسيك معاناتك السابقة،…

Send Us A Message