القرآن وعالَم الوجدان

Home » Arabic (العربية) » دراسات » الضاربون في الأرض » القرآن وعالَم الوجدان

القرآن الكريم كتاب الله المنـزل على قلب محمد (صلى الله عليه وسلم)، ليسترشد به الجنس البشري، وليستقرَّ عليه الكون والوجود، وعليه تقوم قيامة العالم، وبه يشقى مَنْ يشقى، ويسعد مَنْ يسعد.

والقرآن يرفعنا فوق العالم، إلاَّ أنه لا يطلب مِنَّا الانسحابَ منه.. ويعلو بنا فوق الكون، في الوقت الذي يريد منَّا أنْ نتنبَّه لأقلّ جزئياته بداهةً وأُلفةً.. ويغوص بنا إلى أعماق موغلة في الإنسان، لنصغي معًا لأَخفى أنَّات روحه، وأوهن أوجاع قلبه.

وإلى مناطق بكرٍ غير مكتشفة من قارَّات الروح يأخذنا “القرآن”، ويرتاد بنا أبعادًا هائلة، وقِمَمًا عالية جدًا، ثم يحذّرنا من الالتفات إلى الوراء، وإلاَّ دار رأسنا، وربما هوينا من شواهق ما وصلنا إليه إلى سحيق ودْيان ما كُنَّا فيه.

وهو يسمو بوجداننا فوق العقل، إلاَّ أنه يظلُّ يذكّرنا بأنه -أي العقل- معراجنا مع الوجدان في هذه الفوقية.. ويخترق بنا آماد الزمان والمكان، حتى لنكاد نشعر بأمواج الأبدية وهي تضرب شواطئَ أرواحنا، وتنساب إلى دواخلنا، وفي برزخٍ بين أن نكون -بشرًا سويًّا- أو ألاَّ نكون، يوفقنا القرآن لنرى رأينا ونحزم أمرنا.

وشتيت الروح، وانقسامات النفس، وتشعبّات الفكر، وزائغات النظر، تجد في القرآن ما يلمُّ الشتات، وَيُوْحِّدُ الشِعَبَ، ويجمع المقسَّمات، ويعيد للبصر وحدة النظر ليزداد حدَّةًَ وقوةً فيرى “اللاَّمرئي” فينا، “واللاّمرئي” في الكون والوجود… وهو يعلمنا أنَّ مَنْ لم يكن واحدًا في ذاته، كلاًّ في فكره، جمعًا في وجدانه، فلن يكون له نصيب من تجليات أنوار الواحدية والأحدية؛ لأنَّ الإيمان الحق، هو الإيمان الذي ينبعث عن الكيان الإنساني كُلِّهِ.

والقرآن -بعد ذلك- ينبوع قوة يتدفق من قوًى غيبية ليستقوي به الضعفاء، ويحيا به الأموات.. وهو العقل المبعوث لجنون كل الأعصار، وشعاع الروح الأزلي فوق ظلمات القلوب والنفوس… فكلماته محمّلة بسحائب الحياة، وآياته تقطر أنداءَ جمالٍ وجلالٍ. وبمقدار ما يجهل الإنسان منه، يكون جهله بنفسه وبالكون وبالوجود مِن حوله… إنه باعث غريزة التوحيد وفطرته من كوامن الإنسان.. وهو عين العالم وقلبه، كم من عقلٍ غَيَّرَ، وكم من روح سما بها، ووجدان ارتفع به.. إن قوانين الفطرة ونواميس الكون تتألّقان في سماء كلماته وآياته.. وفي ثناياه يرقد العقل كله، ومنه تُسْتَنْشقُ أنفاسُ الحياة، وفيه تأْتلف قوى الطبيعة والفضيلة، ويغوص الكُلُّ في فيض من الحب الإلهي.. وهو يعزّز قوى الحواس، ويفتح نوافذ الخيال، ويؤجج ثورة عشقٍ في سويداء القلوب والأرواح.. أما نبلاء الفكر، فإنهم يجدون فيه النبل كلَّهُ، والشهامة كلَّها، والعظمة كلَّها… وكمْ من خيالٍ فَتَنَه، ومِذْواقٍ سحره، وبلاغةٍ ركَعتْ لبلاغته.

لقد مَزَّقَ القرآنُ أكفانَ الصمت عن النبُّوات السابقة، وأقام الأنبياء السابقين من مراقدهم، واستنطقهم ليقولوا كلمة الحق في محمد (صلى الله عليه وسلم)، وليأنس بأنفاسهم، ويتأسَّى بسيرهم وبما لاقَوْه من عَنَتِ أقوامهم، وما صبّوه عليهم من نُكْرٍ وعذاب.

لقد هَزَّ محمد (صلى الله عليه وسلم) بنداءَاتِهِ قلب السماء، فانتفضتْ حتى غدت جعبة سهام ناريّة تنطلق لتصميَ أفئدة الشياطين وأتباعهم من المشركين، أينما وجدوا وحيثما كانوا.

وبين قلب محمد (صلى الله عليه وسلم) وقلب الكعبة عشقٌ متبادلٌ عميقٌ موغلٌ في القدم، فهو تَوْأمها في الوجود الغيبي، وهي شطر ذاته، وبعض أجزاءِ جوهر حقيقته في مرايا عالَمِ المثال، ويومَ وَضَعتْ مكةُ وديعتها الغالية بين يدي العالَم غَطَّت الكعبةَ سحائبُ أسًى لما ستأتي به الأيام القابلة من فرقة وافتراق قدَري لا مناص من وقوعه، قبل أن يسمح القَدَرُ وبعد سنين من الكفاح المتواصل بالوصال من جديد.

هـذه -أخي القارئ- بعضٌ من أفكار ومشاعر ومعانٍ جاءت على صفحات هذا الكتاب، وأُريد أن أُنبِّه إلى أَنَّ مؤلف الكتاب العالم الكبير الأستاذ فتح الله كولن لم يزعم أنه في معرض التفسير لما تناوله من آيات قرآنية، على الرغم من امتلاكه لكل شروط المعرفة التفسيرية و أدواتها. وكُلُّ الذي فعله أنه سَجَّلَ في هذا الكتاب ما تلقاه من وَمَضاتٍ والْتماعات وإشارات من بعض مَا تَألّقَ في سماء وجدانه المرهف من نجوم القرآن. ومع ذلك فإنه لم يغفل تمامًا آراء المفسرين في الآيات التي عرض لها، غير أنه توسع بعض الشيء فيها، وانقدحت في خاطره أفكارٌ وَمَعَانٍ جديدة مضافة، تحتملها الآية من حيث تركيبها اللغوي والبلاغي، ولا تشتطُّ أبدًا في الابتعاد عن أصول التفسير وقواعده المعروفة. ولا شك أنَّ هذه الخطرات أَمْلَتْها ظروف العصر، وظروف الدعوة الإسلامية المعاصرة، وأوحت بها معارف العصر وعلومه وتوجهاته الفكرية والروحية… ورحِم الله النورسي الذي قال: “إنَّ الزمان أكبر مفسّر للقرآن”.

وأنا على ثقة من أن هذه الخطرات حول بعضٍ من آي القرآن الكريم سوف تجد لها صدًى واسعًا في فكر القارئ العربي ووجدانه.. فترجمة هذه الأعمال الدعوية والفكرية للأستاذ “فتح الله” إلى العرَبية، عمَلية تنشيطية للأفكار، وهي تبادل معرفي جيد بين عقول المعنيين بشؤون الإيمان وقضايا الإسلام هنا في تركيا وهناك في العالم العربي.

جزى الله عنا الأستاذ الفاضل فتح الله كولن خير الجزاء، وآمل من رحمة الله القدير أن يجعل ذلك في صحائف عمله يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلاَّ مَنْ أتى الله بقلْب سليم.

والكتاب في سطور:

  • قدحات قرآنية أشعلت وَجدًا في سماء الوجدان.
  • إشارات وخطرات مستوحاة من آي القرآن الكريم أملَتْها معارف العصر وعلومه وتوجهاته الفكرية والروحية.
  • ذهنية اسْتنباطية متفتّحة لمعانٍ جديدة لها من آراء المفسرين قاعدة وسند.
  • إدراك استيعابي لفاعلية القرآن في النفس والمجتمع.

Share:

More Posts

عمى النظام

إنّ الذين يعملون داخل نظامٍ وكيانٍ معيّن قد يُصابون مع مرور الوقت بما يُسمى “عمى النظام”؛ أو ما يمكن أن نسميه بالرتابة والاستسلام للإلف والتعوّد، فلا جَرَمَ أنّ تكرار الأعمال على الدوام بشكلٍ معين وتنسيقٍ محدَّدٍ روتينيٍّ يؤدّي إلى الرتابة، فإن لم يُراجَع هذا النظام ويُجدَّد على فترات معينة، ولم تُسدَّ الثغرات وتُكمَّل النواقص؛ حصل…

آفة الدين ثلاثة

سؤال: جاء في الحديث: “آفَةُ الدِّینِ ثَلَاثَةٌ: فَقِیهٌ فَاجِرٌ وَإِمَامٌ جَائِرٌ وَمُجْتَهِدٌ جَاهِلٌ”[1]، فما السمات المشتركة التي جعلت من هذه الفئات الثلاث المذكورة في الحديث آفةً للدين؟
الجواب: رغم أن هذا القول الذي رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد انتُقد من حيث ضوابط ومعايير علم مصطلح الحديث فلا شك أنه يعبّر من حيث المعنى عن حقيقة مهمّة…

الإسلام مبنيٌّ على اليُسْرِ

سؤال: بما أنّ الإسلامَ دينُ يُسرٍ وليس دينَ عسرٍ؛ فلماذا تصعب على أجيال اليوم معايشة الإسلام الحقيقي؟ وكيف نفهم هذا الوضع الذي يبدو متناقضًا في الظاهر؟
الجواب: حتى نفهم المسألة فهمًا صحيحًا لا بد أن نؤكد بدايةً على أن العسر واليسر مفهومان نسبيان؛ بمعنى أن هذه المسألة تختلف تبعًا لفهم الأفراد وتصوراتهم، فقد يجد البعض صعوبةً في أداء…

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

سؤال: أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وحثنا بوسائل شتى على الصلاة والسلام عليه، فكيف نفهم هذه الوصية؟ وكيف ننفذ هذا الأمر؟
الجواب: حثنا النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في السؤال- على الصلاة والسلام عليه في كثير من أحاديثه المباركة، ومن ذلك قوله: “إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فِي الدُّنْيَا”[1]،…

الذنب والتوبة

لم يكن الحسدُ والكبرُ والعصيانُ فحسب السببَ في طرد الشيطان من الحضرة الإلهية، إنما قيامُه بعد العصيان باختلاق المبررات والأعذار، ولُجوؤه إلى الجدل، ومحاولتُه تبريرَ خطيئته.. وعلى الجانب الآخر فقد استوعب أصحابُ الطبائع السليمة دقّةَ الامتثال للأمر؛ فما إن تعثّروا وسقطوا حتى نهضوا واستقاموا وتوجهوا إلى الباب الذي عليهم أن يتوجهوا إليه، وسألوا الله العفو…

لمحات حول تطوير الفقه الإسلامي

سؤال: ما نوع الدراسات التي توصي بإجرائها في مجال الفقه كي يتسنى التغلب على الركود المستمر منذ ثلاثة أو أربعة قرون؟
الجواب: بداية ثمة فائدة في التذكير بأمر ما يتعلق بالموضوع، ألا وهو أن علم الفقه معجزة من معجزات القرآن والفكر الإسلامي؛ فقد نظم الفقهاء المسلمون الحياة بأدقِّ تفاصيلها من خلال الأحكام التي توصلوا إليها كنتاج لعمل جاد،…

“فوائد قصة “هابيل” و”قابيل

سؤال: ما الرسائل المراد إيصالها إلى المؤمنين من خلال قصة “هابيل” و”قابيل”؟
الجواب: أودّ أن أتطرّق إلى مبدإٍ عام قبل الإجابة على هذا السؤال، فمن المؤكد أن لكل واقعة مذكورة في القرآن الكريم جانبًا يهمّنا، وعلينا أن نعثر على جوانبها التي تتعلق بيومنا، ونأخذ العبرة والدروس منها؛ فالقرآن لا يتحدث عن الماضي سردًا لمعلومات تاريخية فحسب؛ بل إنه…

قَدَرُ الطريق

في مواجهة المظالم المعيشة في يومنا، يعاني الكثير منا المشاعر نفسها ونحمل الأفكار عينها في كل حركاتنا وسكناتنا؛ فينقضُّ نومنا، ونئنّ ألمًا وحزنًا، ومع ذلك نؤمن تمامًا بأنه إذا استطعنا أن نواجه بصبرٍ ورضًا البلايا والمصائب التي نتعرّض لها، فإن جميع المشاكل والصعوبات التي نعانيها في هذا العالم ستكون وسيلة مهمة لفوزنا في الآخرة، وإن…

السبيل إلى الحفاظ على الحياة الروحية

سؤال: كيف نحافظُ على النقاء المعهود في أيام الخدمة الأولى، ونستمرُّ في مواصلة الشد المعنوي، وتنشئةِ رجالٍ جددٍ للدّعوة؟
الجواب: بداية أودّ أن أؤكّد على حقيقة أُشيرَ إليها في السؤال، ألا وهي أن الناس كانوا في السنوات الأولى من الخدمة مخلصين ومضحّين للغاية.. فلم يكن لديهم مطلبٌ سوى رضا الله، وكان الوفاق والاتفاق رائعًا بين المتطوعين في الخدمة…..

الموقف الثابت والأقنعة الساقطة

كلُّ مشكلةٍ ومعاناةٍ تعيشها تكون حبلى بالبهجة والسرور، وبالتالي يجب عليك أن تتحمل فترة الحمل.. فإذا كنت تريد أن يكون لديك ابنٌ كهالة النور وأن تضمّه إلى حضنك، فعليك أن تتحمل المتاعب التي ستتعرض لها قبل ذلك وأن تعمل على مواجهتها بصبرٍ، وهذا بالطبع ليس بالأمر السهل، ولكنك ستشعر بعد ذلك بفرحة تنسيك معاناتك السابقة،…

Send Us A Message