بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾(التَّوْبِة:20)

يرد الجهاد بالمال قبل الجهاد بالنفس في القرآن الكريم على الدوام عدا في آية أو آيتين. أجل! يخيل لي أن الإنسان ما دام حياً يفضل ويعز ماله على حياته على الدوام. والحديث الشريف يقول: "من قُتل دون مالِه فهو شهيدٌ".[1] وهو بينما يعلمنا حكما معينا، يشير من طرف آخر إلى هذه الجبلة الإنسانية. وما المثل الشعبي عندنا من أن "المال شقيق الروح" إلا تعبير عن الحقيقة نفسها بشكل آخر.

غير أن هناك أناساً تركوا الدنيا قلبياً وليس عملياً أو كسبياً منهم أبو بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف y. وهناك أناس لم يملكوا مالاً في الدنيا منذ البداية، في حالة هؤلاء تأتي النفس قبل المال، هذا طبعاً إن لم يصلوا إلى إدراك البديل الحقيقي لها.

أجل! ليس من السهل كما يتبادر إلى الذهن الإيمان وعمل كل ما يقتضيه هذا الإيمان. فالعيش ضمن أحاسيس ومشاعر العادات التي تشكلت وترسخت ضمن سنين طويلة عندما تضاف إليه الفطرة يكون من الصعب جداً على الإنسان التضحية بماله ونفسه. وهاكم سيدنا حمزة رضي الله عنه -عم الرسول صلى الله عليه وسلم وأخاه في الرضاعة- فقد تردد لبعض الوقت قبل إعلان إيمانه. وبدلا من الغضب على الذين لا يجتازون الإمتحان الصعب في موضوع التضحية بالمال وبالنفس، وهو امتحان صعب بالنسبة للجميع… علينا أن نبدي اهتماما كبيراً بـهم، وأن نعينهم في الدعاء بظهر الغيب.

أجل!… إن كان الإيمان هو تجاوز العقبة الأولى للشيطان، فإن ترك الإنسان لقومه وقبيلته وأهله وأقربائه والهجرة إلى بلد آخر تجاوز لعقبة أخرى لا تقل صعوبة عن العقبة الأولى. إن القيام بـهجر الوطن والديار ثم عدم الإكتفاء بـهذا بل الجهاد في سبيل الله في الموطن الجديد يعد تجاوزا لعقبة صعبة أخرى، ومن يوفق في هذا يكون قد تجاوز نفسه ووصل إلى النجاة.

﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾(التَّوْبِة:72)

إن جنة عدن كما تبدو في هذه الآية الكريمة وكما وصفت في أحاديث نبوية عديدة،[2] جنة فيها بعض النعم الروحانية ولكن أكثر نعمها جسدية ومادية.

أجل! هناك قسم من الناس تقوى عندهم الرغبات المادية وتغلب عليهم المطالب الجسدية. ولمثل هؤلاء تكون جنة عدن الجامعة لكل النعم مكافاة جيدة. أما البعض الآخر فتقوى عندهم الملكات الروحية لذا لا تعني النعم المادية كالأكل والشرب والحور العين…. الخ شيئا كثيرا، لأنـهم يتطلعون للإشباع الروحي وللأذواق المعنوية. لمثل هؤلاء هيئت جنة "الفردوس" وآية ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَر﴾ تشير إلى هذه الحقيقة.

ونظراً لتمييز جنة الفردوس فقد أرشدنا الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث له: "فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس".[3]

أولا وقبل كل شي فجَنة الفردوس ببِنيتها المخروطية نقطة إشـراف ومشاهدة مركزية على جميع الجنات الأخريات. ثانياً: إن لم يكن "الإيمان بالغيب" متوسعا ومتطورا في الأمم السابقة، لـذا لم تتطور هذه الأمم في الأمور المرتبطة بالغيب وبالمعاني المجردة ولم تتعمق عندها هذه المعاني. أما الأمة المحمدية فبسبب تعمقها أكثر من الأمم السابقة في موضوع الإيمان بالغيب وبما يتعلق به من أمور فلا تشبع أرواحها إلا بالنعم واللذائذ الروحانية، لذا أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم أمته بأن تطلب في دعائها جنة الفردوس. أي يمكن القول بأن جنة عدن، هي أفق نعم الأمم الأخرى، أما جنة الفردوس فهي جنة أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

لا شك أن رضوان الله متحقق لكل من دخل الجنة، ولكن الرضوان الأكبر -الذي يعد أسمى نِعَم الجنة وأعظمها- أفق آخر من الوسعة والشمول والغنى الذي يجعل نائله مستغنيا عن كل شيء، ولن يتيسر هذا إلا لأمة صاحب المقام المحمود وصاحب الحمد. أن تقدم الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يحمل لواء الحمد والثناء للذات الجليلة ووصوله إلى المقام المحمود، الذي يكون فيه كل شيء تسمعه ويسمعه حمدا وثناء، متناغماً ومتوافقاً مع تشريف أمته المستحقة للفردوس وتكريمها بالرضوان الأكبر.

اللّهم عفوك وعافيتك ورضاك اللّهم وفقني إلى ما تحب وترضى.

﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾(التَّوْبِة:111)

معنى هذه الآية أن الله يطلب الأنفس والأموال الزائلة للمؤمنين مقابل بدائل باقية لا تزول!.. إنه يطلب أنفسهم وأموالهم لكي يعطي لهم مقابلها الجنة في الآخرة. ولكن كما يلاحظ فإن الأنفس متقدمة على الأموال في هذه الآية. ذلك لأن النفس تكون أكثر أهمية في الآخرة ويأتي من بعدها المال المنفق في سبيل الله، والذي زاده هذا الإنفاق قيمة وثمنا. أي انني إن لم أدخل الجنة ولم أستطع الولوج فيها فماذا يعني المال الذي ليس إلا زينة بسيطة من زينات الجنة؟ لذا فالتعبير عن هذه الحقيقة يكون بتقديم النفس على المال هنا خلافا لما جاء في مواضع أخرى.

والحقيقة إن كل ما يبدو أنه ملك مؤقت للإنسان هو في الحقيقة ملك لله تعالى. فمنذ الوجود الأولي للإنسان وكذلك جميع الوسائل الضرورية المهداة لإدامة هذا الوجود ليس إلا لطفاً جبرياً وإحساناً. كما إن إظهار كل هذه الألطاف والهبات وكأنـها ملك للإنسان مع منحه صلاحيات قانونية وحقوقية معينة للإفادة منها ليس إلا إحسانا ثانيا. أما القيام بشراء ماله وملكه وكأنه مال وملك خاص في يد صاحبها المؤتمن ليعطَى بدل هذا المال والملك الزائل والفاني ألف ضعف فهو كرم فوق كل إحسان. هو كرم كبير بحيث أننا لو فرضنا عدم وجوده فإن المؤتمنين إما أن يستعملوا هذه الأمانة الموجودة في أيديهم في إتجاه أهوائهم وشهواتـهم، فيخونون بذلك الصاحب الحقيقي للمال، أو تزول هذه الودائع وتفنى متى ما جاء أوان هذا الفناء فيخسر هؤلاء أفضل تجارة وأكبر كسب وأكثره بركة.

أجل، عندما يتحقق هذا العقد المتسم باللطف والكرم، يترك الأحياء الفانون أماكنهم ليصلوا إلى الوجود الأبدي. ويزول المتاع الدنيوي الفاني، لتحل محله النعم الخالدة في دار البقاء… ترمى الدنيا ذات العمر القصير تحت التراب، لتخرج سنابل جنات خالدات في عالم أبدي… تترك النفس رغباتـها ولذائذها بشكل متوازن، لتفوز في المقابل برضا الله تعالى. وفي أثناء تحقيق هذه المبادلة التي تتم ضمن إطار الإرادة الإنسانية الحرة يتم الإعتناء بإظهارها في شكل بيع وشراء أو كأخذ وتحصيل قسري.

إن مثل هذا الميثاق الممتد من الأزل ميثاق بشري وكوني عميق إلى درجة أنه ورد في التوراة وفي الإنجيل وفي القرآن وتكرر في هذه الكتب وتم التأكيد عليه وإن كان في أساليب مختلفة.

الهوامش

[1] البخاري، المظالم 33؛ مسلم، الإيمان 226؛ الترمذي، الدية 21.

[2] تفسير القرآن العظيم لابن كثير، 2/ 155.

[3] الترمذي، الجنة 4.

Share:

More Posts

عمى النظام

إنّ الذين يعملون داخل نظامٍ وكيانٍ معيّن قد يُصابون مع مرور الوقت بما يُسمى “عمى النظام”؛ أو ما يمكن أن نسميه بالرتابة والاستسلام للإلف والتعوّد، فلا جَرَمَ أنّ تكرار الأعمال على الدوام بشكلٍ معين وتنسيقٍ محدَّدٍ روتينيٍّ يؤدّي إلى الرتابة، فإن لم يُراجَع هذا النظام ويُجدَّد على فترات معينة، ولم تُسدَّ الثغرات وتُكمَّل النواقص؛ حصل…

آفة الدين ثلاثة

سؤال: جاء في الحديث: “آفَةُ الدِّینِ ثَلَاثَةٌ: فَقِیهٌ فَاجِرٌ وَإِمَامٌ جَائِرٌ وَمُجْتَهِدٌ جَاهِلٌ”[1]، فما السمات المشتركة التي جعلت من هذه الفئات الثلاث المذكورة في الحديث آفةً للدين؟
الجواب: رغم أن هذا القول الذي رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد انتُقد من حيث ضوابط ومعايير علم مصطلح الحديث فلا شك أنه يعبّر من حيث المعنى عن حقيقة مهمّة…

الإسلام مبنيٌّ على اليُسْرِ

سؤال: بما أنّ الإسلامَ دينُ يُسرٍ وليس دينَ عسرٍ؛ فلماذا تصعب على أجيال اليوم معايشة الإسلام الحقيقي؟ وكيف نفهم هذا الوضع الذي يبدو متناقضًا في الظاهر؟
الجواب: حتى نفهم المسألة فهمًا صحيحًا لا بد أن نؤكد بدايةً على أن العسر واليسر مفهومان نسبيان؛ بمعنى أن هذه المسألة تختلف تبعًا لفهم الأفراد وتصوراتهم، فقد يجد البعض صعوبةً في أداء…

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

سؤال: أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وحثنا بوسائل شتى على الصلاة والسلام عليه، فكيف نفهم هذه الوصية؟ وكيف ننفذ هذا الأمر؟
الجواب: حثنا النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في السؤال- على الصلاة والسلام عليه في كثير من أحاديثه المباركة، ومن ذلك قوله: “إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فِي الدُّنْيَا”[1]،…

الذنب والتوبة

لم يكن الحسدُ والكبرُ والعصيانُ فحسب السببَ في طرد الشيطان من الحضرة الإلهية، إنما قيامُه بعد العصيان باختلاق المبررات والأعذار، ولُجوؤه إلى الجدل، ومحاولتُه تبريرَ خطيئته.. وعلى الجانب الآخر فقد استوعب أصحابُ الطبائع السليمة دقّةَ الامتثال للأمر؛ فما إن تعثّروا وسقطوا حتى نهضوا واستقاموا وتوجهوا إلى الباب الذي عليهم أن يتوجهوا إليه، وسألوا الله العفو…

لمحات حول تطوير الفقه الإسلامي

سؤال: ما نوع الدراسات التي توصي بإجرائها في مجال الفقه كي يتسنى التغلب على الركود المستمر منذ ثلاثة أو أربعة قرون؟
الجواب: بداية ثمة فائدة في التذكير بأمر ما يتعلق بالموضوع، ألا وهو أن علم الفقه معجزة من معجزات القرآن والفكر الإسلامي؛ فقد نظم الفقهاء المسلمون الحياة بأدقِّ تفاصيلها من خلال الأحكام التي توصلوا إليها كنتاج لعمل جاد،…

“فوائد قصة “هابيل” و”قابيل

سؤال: ما الرسائل المراد إيصالها إلى المؤمنين من خلال قصة “هابيل” و”قابيل”؟
الجواب: أودّ أن أتطرّق إلى مبدإٍ عام قبل الإجابة على هذا السؤال، فمن المؤكد أن لكل واقعة مذكورة في القرآن الكريم جانبًا يهمّنا، وعلينا أن نعثر على جوانبها التي تتعلق بيومنا، ونأخذ العبرة والدروس منها؛ فالقرآن لا يتحدث عن الماضي سردًا لمعلومات تاريخية فحسب؛ بل إنه…

قَدَرُ الطريق

في مواجهة المظالم المعيشة في يومنا، يعاني الكثير منا المشاعر نفسها ونحمل الأفكار عينها في كل حركاتنا وسكناتنا؛ فينقضُّ نومنا، ونئنّ ألمًا وحزنًا، ومع ذلك نؤمن تمامًا بأنه إذا استطعنا أن نواجه بصبرٍ ورضًا البلايا والمصائب التي نتعرّض لها، فإن جميع المشاكل والصعوبات التي نعانيها في هذا العالم ستكون وسيلة مهمة لفوزنا في الآخرة، وإن…

السبيل إلى الحفاظ على الحياة الروحية

سؤال: كيف نحافظُ على النقاء المعهود في أيام الخدمة الأولى، ونستمرُّ في مواصلة الشد المعنوي، وتنشئةِ رجالٍ جددٍ للدّعوة؟
الجواب: بداية أودّ أن أؤكّد على حقيقة أُشيرَ إليها في السؤال، ألا وهي أن الناس كانوا في السنوات الأولى من الخدمة مخلصين ومضحّين للغاية.. فلم يكن لديهم مطلبٌ سوى رضا الله، وكان الوفاق والاتفاق رائعًا بين المتطوعين في الخدمة…..

الموقف الثابت والأقنعة الساقطة

كلُّ مشكلةٍ ومعاناةٍ تعيشها تكون حبلى بالبهجة والسرور، وبالتالي يجب عليك أن تتحمل فترة الحمل.. فإذا كنت تريد أن يكون لديك ابنٌ كهالة النور وأن تضمّه إلى حضنك، فعليك أن تتحمل المتاعب التي ستتعرض لها قبل ذلك وأن تعمل على مواجهتها بصبرٍ، وهذا بالطبع ليس بالأمر السهل، ولكنك ستشعر بعد ذلك بفرحة تنسيك معاناتك السابقة،…

Send Us A Message