سنشير من القرآن الكريم -الذي يعد معجزة من أوّله لآخره- إلى أربع آيات فقط حول منشأ الإنسان لنختم هذا الموضوع. ولكن نرى من المفيد أن نورد تقييماً عاماً حول الآيات المتعلقة بالخلق في القرآن.

المعرفة هي علم خاص، تلك التي لا يطيقها كل شخص، ولا تظهر في كل شخص، ولا في كل مكان. أما لدى سالكي الحق فهي مرتبة توحّد المعرفة بالعارف حتى تكون طبيعة عنده. فتكون حالاتُه كلها ترجمانًا للمعروف. وقد عرّفها آخرون أنها ظهور المعارف الوجدانية وانبساطها بحيث إن مثل هذا الظهور والانبساط في الوقت نفسه هو ظهور الإنسان بقيمه الذاتية وانبساطها. ولعل هذا هو مما يفهم من القول: "من عرف نفسه فقد عرف ربه".[1]

إن أولى مراتب المعرفة هي رؤية تجليات الأسماء الحسنى المحيطة بنا إحاطة تامة وحدسها، ومشاهدة إقليم الصفات الجليلة المثير للإعجاب، فيما وراء انفراج أبواب الأسرار بهذه التجليات.

ففي أثناء هذه السياحة تسيل الأنوار من عيون السالك وأذنه إلى لسانه، ويشرع قلبُه بالهيمنة على سلوكه، ويغدو سلوكه وأطواره لسانًا ناطقًا بتصديق الحق سبحانه والإعلان عنه، حتى يتحول هذا اللسان كقرص مرن للـ"الكلمة الطيبة".. وإذا بأنواع من أنوار مشعة تنعكس كل آن عن شاشة الوجدان من الحقيقة المنوّرة: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر:10). وهكذا مثل هذا الروح يصدّ أبوابه في وجه العواطف والمشاعر الرذيلة جميعها، ووجدانٌ كهذا يتسربل برَوح نسيم الماوراء. ومن منفذ سري تنفتح إلى روحه أبواب أروقة من نورٍ تؤدي إلى مَن عُرفَ "كنـزًا" الذي عبّر عنه الشاعر:

قال الحق: لا يسعني السماء والأرض

منْجَم القلب عرفه "كنـزًا"

مستلهما مما جاء في حديث متشابه «ما وسعني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن».[2] فيجد الإنسان نفسه في لذةِ مشاهدةٍ لا يرد على فكره الفراق ولا الرجوع عنها قطعًا.

ولما يصدّ السالك عن الأغيار ويدخل في حالة توجس وحذر مع النفسانية ويلقي بنفسه في مدّ الحضور والطمأنينة وجزره، هذه النقطة هي نقطة المعرفة. فالذي يحوم حول هذه النقطة دائمًا يطلق عليه "سالك العرفان" ويسمى من بلغ إلى هذه النقطة بـ "العارف".

فكما أن الأقوال المختلفة التي ذكرت حول المعرفة نابعة من اختلاف الاستعدادات والمشارب، كذلك يمكن أن تكون ذات علاقة باختلاف المستويات.. فلقد بحث بعضهم عن المعرفة في مواضع التجلي فحسب. وظن آخرون أن حس الهيبة في العارف هو من تظاهر المعرفة… وآخرون ربطوا بين المعرفة والسكينة وقضوا بعمق الأولى حسب سعة الثانية.. وآخرون فهموها بأنها انغلاق القلب كليًا عما سواه تعالى. وآخرون رأوها حيرة القلب وإعجابه في ثنايا مدّ التجليات الإلهية وجزرها… بحيث إن أمثال هؤلاء -بمقتضى المقام الذي هم فيه- تنبض قلوبهم بالحيرة وتدور أبصارهم بالإعجاب والاستحسان وتنطلق ألسنتهم بـ«لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»[3] فيتنفسون الإعجاب والتقدير والاستحسان في الظهور والتجليات.

الحياة في إقليم المعرفة، نـزيهة وهادئة، وكأنها بساتين الجنة. إذ الروح في طيران دائم والوجدان قد وصل إلى لذة الاطمئنان فينتشي نشوة الطفل ولكن في حذر وتدبير. فيُصبح ويمسي بـ ﴿لايَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم:6) في سباق حامٍ مع الملائكة. إن مشاعر هذه الأرواح تتفتح تفتح البراعم على المعرفة كأنهم يسيحون عدة مرات في اليوم في ربوع جمعة الجنة. إذ يتفتحون ورقة إثر أخرى كانفتاح البراعم، ويواجهون الحبيب كل آن في بُعد آخر. فيتذوقون لذة الوصال والمعية. فهم ثملون بنشوة الوصال والغياب عن النفس كل يوم، وربما كل ساعة مرات ومرات، طالما عيونهم ترقب فرجات باب الحق سبحانه.

دع أدعياء العلم بعلمهم يَحْبون، والمتفلسفون بحكمتهم يتمتمون، فإن العارف يترشف الحضور والطمأنية ويترنم السكينة في منشور من نور. وحتى حينما يهتز بالمخافة والمهابة، يتذوق لذة خالدة وكأن قلبه يضحك فيما تهطل عيناه بالدموع.

بجانب هذه المزايا المشتركة لدى العارفين، نلمح بعض التمايزات النابعة من اختلاف الأمزجة والمشارب. فبعضهم عندما يذكّرون بالدوامات بهدوئهم وغور عمقهم، يدوّي الآخرون كالشلالات، وآخرون يخرجون من الدنيا ولم يقضوا وطرهم من بكاء وآهات على ما قدّموا وأخّروا من أثوبة وآثام ومن الثناء على ربهم الجليل. وبعضهم يجولون في مجال الهيبة والحياء والأُنس، ولا يفكرون بفراق البحر وبلوغ ساحله. وآخرون كالأرض يطؤهم كل غاد ورائح. وآخرون كالسحاب يظلل كل شيء، البر والفاجر، وينـزلون عليهم قطرات الرحمة. وآخرون كالهواء يهبّون على مشاعرنا بألف عطر وعطر.

إن أهل المعرفة لهم أمارات تخصهم، فالعارف لا يرجو توجهًا من غير المعروف سبحانه ولا يختلي بغيره تعالى. ولا يرفع أجفانه ولا أبواب قلبه لغيره تعالى، فأقسى عذاب لدى العارف الحق، توجهه إلى الآخرين، والاختلاء بغيره تعالى، ودخول طيف الغير إلى عينه. فمن لم يبلغ المعرفة وفق هذا المقياس لا يتمكن من التمييز بين الأغيار والأحباب. ومن لم يذق الوصال مع الحبيب لا يعرف العذاب في الهجران.

لننه هذا الفصل بالآتي:

نور العرفان يشع من عيون قلب العارف                   عون الله، وسر المعارف رفيق العارف

م. لطفي

اللّهم كن لنا ولا تكن علينا وأعنّا ولا تعن علينا، وصلّ اللّهم على سيدنا محمد المبعوث فينا وعلى آله وصحبه الكرام البررة.

الهوامش

[1] كشف الخفاء للعجلوني، 2/343.

[2] انظر: الزهد للامام أحمد، 81؛ إحياء علوم الدين للغزالي، 3/15؛ المسند للديلمي، 3/174. كشف الخفاء للعجلوني، 2/255، 431.

[3] مسلم، الصلاة 222؛ ابو داود، الصلاة 148.

مجلة سيزنتي التركية، يونيو 1991؛ الترجمة عن التركية: إحسان قاسم الصالحي.

Share:

More Posts

عمى النظام

إنّ الذين يعملون داخل نظامٍ وكيانٍ معيّن قد يُصابون مع مرور الوقت بما يُسمى “عمى النظام”؛ أو ما يمكن أن نسميه بالرتابة والاستسلام للإلف والتعوّد، فلا جَرَمَ أنّ تكرار الأعمال على الدوام بشكلٍ معين وتنسيقٍ محدَّدٍ روتينيٍّ يؤدّي إلى الرتابة، فإن لم يُراجَع هذا النظام ويُجدَّد على فترات معينة، ولم تُسدَّ الثغرات وتُكمَّل النواقص؛ حصل…

آفة الدين ثلاثة

سؤال: جاء في الحديث: “آفَةُ الدِّینِ ثَلَاثَةٌ: فَقِیهٌ فَاجِرٌ وَإِمَامٌ جَائِرٌ وَمُجْتَهِدٌ جَاهِلٌ”[1]، فما السمات المشتركة التي جعلت من هذه الفئات الثلاث المذكورة في الحديث آفةً للدين؟
الجواب: رغم أن هذا القول الذي رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد انتُقد من حيث ضوابط ومعايير علم مصطلح الحديث فلا شك أنه يعبّر من حيث المعنى عن حقيقة مهمّة…

الإسلام مبنيٌّ على اليُسْرِ

سؤال: بما أنّ الإسلامَ دينُ يُسرٍ وليس دينَ عسرٍ؛ فلماذا تصعب على أجيال اليوم معايشة الإسلام الحقيقي؟ وكيف نفهم هذا الوضع الذي يبدو متناقضًا في الظاهر؟
الجواب: حتى نفهم المسألة فهمًا صحيحًا لا بد أن نؤكد بدايةً على أن العسر واليسر مفهومان نسبيان؛ بمعنى أن هذه المسألة تختلف تبعًا لفهم الأفراد وتصوراتهم، فقد يجد البعض صعوبةً في أداء…

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

سؤال: أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وحثنا بوسائل شتى على الصلاة والسلام عليه، فكيف نفهم هذه الوصية؟ وكيف ننفذ هذا الأمر؟
الجواب: حثنا النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في السؤال- على الصلاة والسلام عليه في كثير من أحاديثه المباركة، ومن ذلك قوله: “إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فِي الدُّنْيَا”[1]،…

الذنب والتوبة

لم يكن الحسدُ والكبرُ والعصيانُ فحسب السببَ في طرد الشيطان من الحضرة الإلهية، إنما قيامُه بعد العصيان باختلاق المبررات والأعذار، ولُجوؤه إلى الجدل، ومحاولتُه تبريرَ خطيئته.. وعلى الجانب الآخر فقد استوعب أصحابُ الطبائع السليمة دقّةَ الامتثال للأمر؛ فما إن تعثّروا وسقطوا حتى نهضوا واستقاموا وتوجهوا إلى الباب الذي عليهم أن يتوجهوا إليه، وسألوا الله العفو…

لمحات حول تطوير الفقه الإسلامي

سؤال: ما نوع الدراسات التي توصي بإجرائها في مجال الفقه كي يتسنى التغلب على الركود المستمر منذ ثلاثة أو أربعة قرون؟
الجواب: بداية ثمة فائدة في التذكير بأمر ما يتعلق بالموضوع، ألا وهو أن علم الفقه معجزة من معجزات القرآن والفكر الإسلامي؛ فقد نظم الفقهاء المسلمون الحياة بأدقِّ تفاصيلها من خلال الأحكام التي توصلوا إليها كنتاج لعمل جاد،…

“فوائد قصة “هابيل” و”قابيل

سؤال: ما الرسائل المراد إيصالها إلى المؤمنين من خلال قصة “هابيل” و”قابيل”؟
الجواب: أودّ أن أتطرّق إلى مبدإٍ عام قبل الإجابة على هذا السؤال، فمن المؤكد أن لكل واقعة مذكورة في القرآن الكريم جانبًا يهمّنا، وعلينا أن نعثر على جوانبها التي تتعلق بيومنا، ونأخذ العبرة والدروس منها؛ فالقرآن لا يتحدث عن الماضي سردًا لمعلومات تاريخية فحسب؛ بل إنه…

قَدَرُ الطريق

في مواجهة المظالم المعيشة في يومنا، يعاني الكثير منا المشاعر نفسها ونحمل الأفكار عينها في كل حركاتنا وسكناتنا؛ فينقضُّ نومنا، ونئنّ ألمًا وحزنًا، ومع ذلك نؤمن تمامًا بأنه إذا استطعنا أن نواجه بصبرٍ ورضًا البلايا والمصائب التي نتعرّض لها، فإن جميع المشاكل والصعوبات التي نعانيها في هذا العالم ستكون وسيلة مهمة لفوزنا في الآخرة، وإن…

السبيل إلى الحفاظ على الحياة الروحية

سؤال: كيف نحافظُ على النقاء المعهود في أيام الخدمة الأولى، ونستمرُّ في مواصلة الشد المعنوي، وتنشئةِ رجالٍ جددٍ للدّعوة؟
الجواب: بداية أودّ أن أؤكّد على حقيقة أُشيرَ إليها في السؤال، ألا وهي أن الناس كانوا في السنوات الأولى من الخدمة مخلصين ومضحّين للغاية.. فلم يكن لديهم مطلبٌ سوى رضا الله، وكان الوفاق والاتفاق رائعًا بين المتطوعين في الخدمة…..

الموقف الثابت والأقنعة الساقطة

كلُّ مشكلةٍ ومعاناةٍ تعيشها تكون حبلى بالبهجة والسرور، وبالتالي يجب عليك أن تتحمل فترة الحمل.. فإذا كنت تريد أن يكون لديك ابنٌ كهالة النور وأن تضمّه إلى حضنك، فعليك أن تتحمل المتاعب التي ستتعرض لها قبل ذلك وأن تعمل على مواجهتها بصبرٍ، وهذا بالطبع ليس بالأمر السهل، ولكنك ستشعر بعد ذلك بفرحة تنسيك معاناتك السابقة،…

Send Us A Message