4-المشيئة الإلهية وحرية الإنسان

Home » Arabic (العربية) » شجرة التصنيفات » القدر في ضوء الكتاب والسنة » 4-المشيئة الإلهية وحرية الإنسان

السؤال: في القرآن الكريم ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾(الكهف:17) وهناك أيضاً، أن الله قد منح الإنسان العقل والتفكر وله إرادته وهداه الله السبيلين أيما شاء سلك. كيف يمكننا أن نؤلّف بين الأمرين؟

الجواب: في هذا السؤال شقان:

هل الشيء يحدث بالإرادة الكلية بما يشاؤه الله، أم أن الإنسان يستعمل إرادته؟ فالهداية الواردة في السؤال تعني: الطريق المستقيم، الرشد، الطريق الذي سلكه الأنبياء. أما الضلالة: طريق الضالّين، الضياع عن الطريق المستقيم، الانحراف عن الجادة. فإذا ما دقق النظر تبين أن كِلا الأمرين فعلٌ واحد، وأن جهته التي تعود إلى الإنسان عبارة عن أُفعولة، لوظيفة. وعلى هذا يقتضي تفويض كليهما إلى الله سبحانه وتعالى، إذ كل فعل يرجع إلى الله، فلا فعل لا يرجع إليه، فالله بمقتضى اسمه "المضلّ" يخلق الضلالة وبمقتضى اسمه "الهادي" يخلق الهداية، فالذي يهدي ويضل هو الله وحده جل جلاله.

ولكن هذا لا يعني، أن العبد يُدفع إلى الضلالة والهداية دفعاً وكرها من قِبل الله من دون أن يكون للعبد دخل ومباشرة، فيكون ضالاً أو مهتدياً راشداً. ويمكن أن نفهم هذه المسألة باختصار كالآتي:

إن الاهتداء أو السقوط في الضلالة، ليكن فعلاً بثقل عشرة أطنان مثلاً. فإن إعطاء واحد من مائة من هذا الثقل إلى الإنسان خطأ، لأن المالك الحقيقي هو الله سبحانه فلا بد أن يُعطى الفعل إلى مالكه.

ولنوضح الأمر أكثر: إن الله سبحانه يهدي، وله وسائل للهداية. فالمجيء إلى الجامع والإنصات إلى الوعظ والتنور فكراً طرقٌ للهداية؛ والاستماع إلى القرآن الكريم والتدبر في معانيه والنفوذ في أعماقها من طرق الهداية أيضاً؛ وحضور مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم والتتلمذ على أحاديثه الشريفة النابعة من القلب والاستماع إليها بأُذن الروح والإنصات إليه بقلب شهيد وجعل وجدانه مرآة عاكسة لما يرد منه من التجليات من طرق الهداية… فالإنسان في هذه الطرق يباشر الهداية. نعم، إن المجيء إلى الجامع مباشرةٌ جزئية، ولكن الله سبحانه وتعالى يجعل هذا المجيء وسيلة للهداية، فالهادي هو الله، ولكن الطارق لباب الله بلوغاً إلى هذه الهداية هو العبد بعنوان "الكسب".

والإنسان بتردده إلى الحانات وأماكن السفاهة والأصنام يكون قد طرق باب اسم "المضلّ" وكأنه يقول "أضلّني". والله سبحانه يضلّه إذا شاء، وإذا شاء يوجد عوائق لئلا يضله. فإذا ما أَمعنّا النظر إلى الإرادة الجزئية للإنسان نجدها صغيرة وضئيلة إلى حد لا يمكن أن توجِد الهداية ولا الضلالة.

أتريدون مثالاً؟ انظروا! عندما تستمعون إلى القرآن الكريم والوعظ والإرشاد أو تقرأون كتاباً علمياً يغرق باطنكم في النور. بينما شخص آخر بمجرد سماعه الأذان المحمديّ أو الوعظ والنصيحة بل أرقّ المناجاة القلبية، إذا به ينـزعج ويتضايق حتى يشكو من صوت الأذان.

بمعنى أن الذي يهدي ويضل هو الله، ولكن إذا ما وطئتْ قدم امرئ طريق الضلالة فإن الله سبحانه يخلق ما يخصه وهو 999.9 من العمل. كما هو الحال في لمس مفتاح الكهرباء، ثم يجعله يميل إلى الضلالة. ولرغبته هذه إما يعاقبه أو يعفو عنه.

مجلة سِيزِنْتي التركية، يوليو 1979.

Share:

More Posts

عمى النظام

إنّ الذين يعملون داخل نظامٍ وكيانٍ معيّن قد يُصابون مع مرور الوقت بما يُسمى “عمى النظام”؛ أو ما يمكن أن نسميه بالرتابة والاستسلام للإلف والتعوّد، فلا جَرَمَ أنّ تكرار الأعمال على الدوام بشكلٍ معين وتنسيقٍ محدَّدٍ روتينيٍّ يؤدّي إلى الرتابة، فإن لم يُراجَع هذا النظام ويُجدَّد على فترات معينة، ولم تُسدَّ الثغرات وتُكمَّل النواقص؛ حصل…

آفة الدين ثلاثة

سؤال: جاء في الحديث: “آفَةُ الدِّینِ ثَلَاثَةٌ: فَقِیهٌ فَاجِرٌ وَإِمَامٌ جَائِرٌ وَمُجْتَهِدٌ جَاهِلٌ”[1]، فما السمات المشتركة التي جعلت من هذه الفئات الثلاث المذكورة في الحديث آفةً للدين؟
الجواب: رغم أن هذا القول الذي رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد انتُقد من حيث ضوابط ومعايير علم مصطلح الحديث فلا شك أنه يعبّر من حيث المعنى عن حقيقة مهمّة…

الإسلام مبنيٌّ على اليُسْرِ

سؤال: بما أنّ الإسلامَ دينُ يُسرٍ وليس دينَ عسرٍ؛ فلماذا تصعب على أجيال اليوم معايشة الإسلام الحقيقي؟ وكيف نفهم هذا الوضع الذي يبدو متناقضًا في الظاهر؟
الجواب: حتى نفهم المسألة فهمًا صحيحًا لا بد أن نؤكد بدايةً على أن العسر واليسر مفهومان نسبيان؛ بمعنى أن هذه المسألة تختلف تبعًا لفهم الأفراد وتصوراتهم، فقد يجد البعض صعوبةً في أداء…

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

سؤال: أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وحثنا بوسائل شتى على الصلاة والسلام عليه، فكيف نفهم هذه الوصية؟ وكيف ننفذ هذا الأمر؟
الجواب: حثنا النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في السؤال- على الصلاة والسلام عليه في كثير من أحاديثه المباركة، ومن ذلك قوله: “إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فِي الدُّنْيَا”[1]،…

الذنب والتوبة

لم يكن الحسدُ والكبرُ والعصيانُ فحسب السببَ في طرد الشيطان من الحضرة الإلهية، إنما قيامُه بعد العصيان باختلاق المبررات والأعذار، ولُجوؤه إلى الجدل، ومحاولتُه تبريرَ خطيئته.. وعلى الجانب الآخر فقد استوعب أصحابُ الطبائع السليمة دقّةَ الامتثال للأمر؛ فما إن تعثّروا وسقطوا حتى نهضوا واستقاموا وتوجهوا إلى الباب الذي عليهم أن يتوجهوا إليه، وسألوا الله العفو…

لمحات حول تطوير الفقه الإسلامي

سؤال: ما نوع الدراسات التي توصي بإجرائها في مجال الفقه كي يتسنى التغلب على الركود المستمر منذ ثلاثة أو أربعة قرون؟
الجواب: بداية ثمة فائدة في التذكير بأمر ما يتعلق بالموضوع، ألا وهو أن علم الفقه معجزة من معجزات القرآن والفكر الإسلامي؛ فقد نظم الفقهاء المسلمون الحياة بأدقِّ تفاصيلها من خلال الأحكام التي توصلوا إليها كنتاج لعمل جاد،…

“فوائد قصة “هابيل” و”قابيل

سؤال: ما الرسائل المراد إيصالها إلى المؤمنين من خلال قصة “هابيل” و”قابيل”؟
الجواب: أودّ أن أتطرّق إلى مبدإٍ عام قبل الإجابة على هذا السؤال، فمن المؤكد أن لكل واقعة مذكورة في القرآن الكريم جانبًا يهمّنا، وعلينا أن نعثر على جوانبها التي تتعلق بيومنا، ونأخذ العبرة والدروس منها؛ فالقرآن لا يتحدث عن الماضي سردًا لمعلومات تاريخية فحسب؛ بل إنه…

قَدَرُ الطريق

في مواجهة المظالم المعيشة في يومنا، يعاني الكثير منا المشاعر نفسها ونحمل الأفكار عينها في كل حركاتنا وسكناتنا؛ فينقضُّ نومنا، ونئنّ ألمًا وحزنًا، ومع ذلك نؤمن تمامًا بأنه إذا استطعنا أن نواجه بصبرٍ ورضًا البلايا والمصائب التي نتعرّض لها، فإن جميع المشاكل والصعوبات التي نعانيها في هذا العالم ستكون وسيلة مهمة لفوزنا في الآخرة، وإن…

السبيل إلى الحفاظ على الحياة الروحية

سؤال: كيف نحافظُ على النقاء المعهود في أيام الخدمة الأولى، ونستمرُّ في مواصلة الشد المعنوي، وتنشئةِ رجالٍ جددٍ للدّعوة؟
الجواب: بداية أودّ أن أؤكّد على حقيقة أُشيرَ إليها في السؤال، ألا وهي أن الناس كانوا في السنوات الأولى من الخدمة مخلصين ومضحّين للغاية.. فلم يكن لديهم مطلبٌ سوى رضا الله، وكان الوفاق والاتفاق رائعًا بين المتطوعين في الخدمة…..

الموقف الثابت والأقنعة الساقطة

كلُّ مشكلةٍ ومعاناةٍ تعيشها تكون حبلى بالبهجة والسرور، وبالتالي يجب عليك أن تتحمل فترة الحمل.. فإذا كنت تريد أن يكون لديك ابنٌ كهالة النور وأن تضمّه إلى حضنك، فعليك أن تتحمل المتاعب التي ستتعرض لها قبل ذلك وأن تعمل على مواجهتها بصبرٍ، وهذا بالطبع ليس بالأمر السهل، ولكنك ستشعر بعد ذلك بفرحة تنسيك معاناتك السابقة،…

Send Us A Message