1-معاني القدر لغة واصطلاحاً

القدر لغة: التقدير. يقال: “قدر الشيء” أي بيّن مقداره؛ و”قدّر الشيء بالشيء” أي قاسه به وجعله على مقداره؛ و”قدّر الأمر” دبّره، قضى وحكم به. ويرد بمعنى القوة والطاقة أيضاً. وعندما تنتقل الكلمة إلى باب التفعيل: قدّر، يصبح معناها: حكم به، نفذ حكمه، قضى.

نجد من مجموع هذه المعاني أن القدر اصطلاحاً هو: ما قدّره الله سبحانه من القضاء وحكم به.

والآيات الجليلة الآتية تؤيد التعريف الوارد أعلاه:

﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ويَعْلَمُ مَا في الْبَرِّ وَالْبَحرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إلاَّ يَعلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ اْلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِين﴾(الأنعام: 59).

﴿قُل لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعاً إلاَّ مَا شَاءَ اللهُ * لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾(يونس: 49).

﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ في السَّمَاءِ وَاْلأَرْضِ إِلاَّ في كِتَابٍ مُبِينٍ﴾(النمل: 75).

﴿إنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثارَهُم وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ في إِمَامٍ مُبِينٍ﴾(يس: 12).

﴿بَل هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾(البروج:21-22).

﴿وَيَقُولُونَ مَتىَ هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾(الملك: 25-26).

ويرد القضاء والقدر بمعنى واحد من جهة، إلاّ أن القدر -بمعنى آخر- يعني كل ما قدّره الله سبحانه، أما القضاء فهو إنفاذ هذا التقدير، وأداء ما قُدِّرَ وإجراء حكمه.

والقدر تفويض كل شيء إلى الله تعالى أثناء وجوده العلمي وقبل أن يظهر إلى الوجود الخارجي. فالأشياء المهيأة لورود الوجود الخارجي وتحاول أن تأخذ مكانها في سلسلة الوجود، تُكتب في لوح المحو والإثبات الذي هو مستنسخات اللوح المحفوظ من قبل الملائكة الكرام ضمن علم الله المحيط بكل شيء.

فالقدر هو اقتران ما خلقه الله سبحانه بكسب الإنسان، أي أن الإنسان يباشر بعملٍ ما، فيؤدي بإرادته ذلك العمل، والله سبحانه يخلق بمشيئته ذلك العمل. وهكذا فالقدر هو تقدير الله سبحانه لوجود الأشياء بعلمه الأزلي والأبدي قبل وجودها وبعد وجودها؛ لذا فليس صحيحاً عدّ القدر عنواناً للعلم فحسب، إذ معنى القدر يسع فضلاً عن تقدير الأشياء وتعيينها بعلمه سبحانه، بصَرهُ وسَمعَهُ وإرادَتهُ ومشيئته. وحيث إن الأمر هكذا، فإن إنكار القدر يعني إنكار جميع صفات الله سبحانه وتعالى. ولهذا فإن كثيراً من المحققين تناولوا القدر ضمن بحثهم عن ألوهية الله جل جلاله. فقالوا: لا داعي إلى بحث مستقل للقدر، لأن الضرورة تقتضي تناول القدر ضمن بحث الألوهية. إلاّ أننا لا نرى الأمر مثلهم، لأنه ربما يشمّ من هذا المفهوم -من جهة- عدم قبول القدر ضمن أركان الإيمان. لذا نقول: مثلما نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، كذلك نؤمن بالقدر. وذلك لئلا نكون قائلين بما يومئُ إلى إنكار القدر سواء أكان إجمالاً أو تفصيلاً أو بأي شكل من الأشكال. أما إذا أخذنا أصل المسألة بنظر الاعتبار نرى أن الإمام أحمد بن حنبل يقول: "القدر من القدرة". فمن ينكر القدر فإنه ينكر كثيراً من الأمور التي تخص الألوهية. أي تتزعزع عقيدة الألوهية وتتهاوى أنظمة الفكر وأسس المفاهيم.

ومن هنا فالقدر موضوع جليل، وقد ضلّ الذين لم يتناولوه ضمن مفاهيم أهل السنة والجماعة. وتدخل عقلانية "المعتزلة" وحتمية "الجبرية" ضمن هذه الضلالة.

Share:

More Posts

عمى النظام

إنّ الذين يعملون داخل نظامٍ وكيانٍ معيّن قد يُصابون مع مرور الوقت بما يُسمى “عمى النظام”؛ أو ما يمكن أن نسميه بالرتابة والاستسلام للإلف والتعوّد، فلا جَرَمَ أنّ تكرار الأعمال على الدوام بشكلٍ معين وتنسيقٍ محدَّدٍ روتينيٍّ يؤدّي إلى الرتابة، فإن لم يُراجَع هذا النظام ويُجدَّد على فترات معينة، ولم تُسدَّ الثغرات وتُكمَّل النواقص؛ حصل…

آفة الدين ثلاثة

سؤال: جاء في الحديث: “آفَةُ الدِّینِ ثَلَاثَةٌ: فَقِیهٌ فَاجِرٌ وَإِمَامٌ جَائِرٌ وَمُجْتَهِدٌ جَاهِلٌ”[1]، فما السمات المشتركة التي جعلت من هذه الفئات الثلاث المذكورة في الحديث آفةً للدين؟
الجواب: رغم أن هذا القول الذي رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد انتُقد من حيث ضوابط ومعايير علم مصطلح الحديث فلا شك أنه يعبّر من حيث المعنى عن حقيقة مهمّة…

الإسلام مبنيٌّ على اليُسْرِ

سؤال: بما أنّ الإسلامَ دينُ يُسرٍ وليس دينَ عسرٍ؛ فلماذا تصعب على أجيال اليوم معايشة الإسلام الحقيقي؟ وكيف نفهم هذا الوضع الذي يبدو متناقضًا في الظاهر؟
الجواب: حتى نفهم المسألة فهمًا صحيحًا لا بد أن نؤكد بدايةً على أن العسر واليسر مفهومان نسبيان؛ بمعنى أن هذه المسألة تختلف تبعًا لفهم الأفراد وتصوراتهم، فقد يجد البعض صعوبةً في أداء…

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

سؤال: أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وحثنا بوسائل شتى على الصلاة والسلام عليه، فكيف نفهم هذه الوصية؟ وكيف ننفذ هذا الأمر؟
الجواب: حثنا النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في السؤال- على الصلاة والسلام عليه في كثير من أحاديثه المباركة، ومن ذلك قوله: “إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فِي الدُّنْيَا”[1]،…

الذنب والتوبة

لم يكن الحسدُ والكبرُ والعصيانُ فحسب السببَ في طرد الشيطان من الحضرة الإلهية، إنما قيامُه بعد العصيان باختلاق المبررات والأعذار، ولُجوؤه إلى الجدل، ومحاولتُه تبريرَ خطيئته.. وعلى الجانب الآخر فقد استوعب أصحابُ الطبائع السليمة دقّةَ الامتثال للأمر؛ فما إن تعثّروا وسقطوا حتى نهضوا واستقاموا وتوجهوا إلى الباب الذي عليهم أن يتوجهوا إليه، وسألوا الله العفو…

لمحات حول تطوير الفقه الإسلامي

سؤال: ما نوع الدراسات التي توصي بإجرائها في مجال الفقه كي يتسنى التغلب على الركود المستمر منذ ثلاثة أو أربعة قرون؟
الجواب: بداية ثمة فائدة في التذكير بأمر ما يتعلق بالموضوع، ألا وهو أن علم الفقه معجزة من معجزات القرآن والفكر الإسلامي؛ فقد نظم الفقهاء المسلمون الحياة بأدقِّ تفاصيلها من خلال الأحكام التي توصلوا إليها كنتاج لعمل جاد،…

“فوائد قصة “هابيل” و”قابيل

سؤال: ما الرسائل المراد إيصالها إلى المؤمنين من خلال قصة “هابيل” و”قابيل”؟
الجواب: أودّ أن أتطرّق إلى مبدإٍ عام قبل الإجابة على هذا السؤال، فمن المؤكد أن لكل واقعة مذكورة في القرآن الكريم جانبًا يهمّنا، وعلينا أن نعثر على جوانبها التي تتعلق بيومنا، ونأخذ العبرة والدروس منها؛ فالقرآن لا يتحدث عن الماضي سردًا لمعلومات تاريخية فحسب؛ بل إنه…

قَدَرُ الطريق

في مواجهة المظالم المعيشة في يومنا، يعاني الكثير منا المشاعر نفسها ونحمل الأفكار عينها في كل حركاتنا وسكناتنا؛ فينقضُّ نومنا، ونئنّ ألمًا وحزنًا، ومع ذلك نؤمن تمامًا بأنه إذا استطعنا أن نواجه بصبرٍ ورضًا البلايا والمصائب التي نتعرّض لها، فإن جميع المشاكل والصعوبات التي نعانيها في هذا العالم ستكون وسيلة مهمة لفوزنا في الآخرة، وإن…

السبيل إلى الحفاظ على الحياة الروحية

سؤال: كيف نحافظُ على النقاء المعهود في أيام الخدمة الأولى، ونستمرُّ في مواصلة الشد المعنوي، وتنشئةِ رجالٍ جددٍ للدّعوة؟
الجواب: بداية أودّ أن أؤكّد على حقيقة أُشيرَ إليها في السؤال، ألا وهي أن الناس كانوا في السنوات الأولى من الخدمة مخلصين ومضحّين للغاية.. فلم يكن لديهم مطلبٌ سوى رضا الله، وكان الوفاق والاتفاق رائعًا بين المتطوعين في الخدمة…..

الموقف الثابت والأقنعة الساقطة

كلُّ مشكلةٍ ومعاناةٍ تعيشها تكون حبلى بالبهجة والسرور، وبالتالي يجب عليك أن تتحمل فترة الحمل.. فإذا كنت تريد أن يكون لديك ابنٌ كهالة النور وأن تضمّه إلى حضنك، فعليك أن تتحمل المتاعب التي ستتعرض لها قبل ذلك وأن تعمل على مواجهتها بصبرٍ، وهذا بالطبع ليس بالأمر السهل، ولكنك ستشعر بعد ذلك بفرحة تنسيك معاناتك السابقة،…

Send Us A Message