2-القدر الجبري المهيمن في الكون

Home » Arabic (العربية) » شجرة التصنيفات » القدر في ضوء الكتاب والسنة » 2-القدر الجبري المهيمن في الكون

إن الحاكم المهيمن على الكون كله هو القدر والتقدير والنظام والانسجام والتخطيط والميزان والاتزان. فالآيات الجليلة تعلّمنا بهذا القدر المنظّم في الكون:

﴿اَللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ اْلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ * سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُستَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾(الرعد: 8-10).

﴿وَإِنْ مِن شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾(الحجر:21).

﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ المِيزَانَ﴾(الرحمن: 7).

نعم، إن القدر يسع الكون كله ويشمل كل ما فيه بحيث لا يمكن تصور أي شيء خارجه. فالله سبحانه، خالق الكون قد وضع في كل شيء بعلمه المحيط، ميزاناً واتزاناً ونظاماً وانتظاماً وقدراً معيناً.. من انفلاق الحب والنوى إلى انبعاث الربيع الزاهر، ومن تصوير الإنسان في الأرحام إلى ولادة النجوم في المجرات. بل إن جميع ما دوّنه العلماء المحققون في العالم كله، في مئات الألوف من كتبهم ما هو إلاّ ترجمة لهذا النظام والانتظام والتقدير الشامل المحيط.

إن القدر الحاكم على الكون يؤمن به القاصي والداني، العدو والولي، المؤمن المعتقد والمنكر العنيد، بل حتى "ماركس" (Karl Marx) عندما يتكلم عن "الحتمية" (Determinizm) إنما يبين هذا القدر الحاكم. وعلى الرغم من أن بعض علماء المسلمين يقرّون نوعاً من الحتمية كـ"ابن خلدون"، بل يجعلونها شاملة على الحياة الاجتماعية أيضاً كما هو في "الحتمية التاريخية" في الغرب. فإننا ضمن مفهوم أهل السُّنة والجماعة نقيد هذه الحتمية بشروط معينة ولا نقرّها على إطلاقها، بل نقبلها مع تلك الشروط، علماً أننا نقرّ بوجود قدر حاكم مهيمن على كل شيء بما فيه الإرادة الإنسانية.

لا شك أننا عندما نقوم بمشروع بناء أو عمل ساعة، فإننا نبدأ أولاً بوضع تصميم وتخطيط بمواصفات معينة؛ فنبدأ نقدّر ونحسب كل ما يمكن أن يظهر في المستقبل ضمن هذه المواصفات سلفاً. فلئن كان هذا التخطيط والتصميم في بناء بسيط أو في آلة بسيطة، فكيف يمكن تصور هذه الأنظمة الدقيقة والتوازن الدقيق المحيّر للعقول بدءً من الذرات ووصولاً إلى الإنسان، دون تخطيط أو منهاج؟ ترى هل هذا النظام البديع المشاهد في الكون أقل شأناً من نظام البناء أو الساعة؟!

إن البذور والنَّوى ما هي إلاّ عُلَب مشحونة بالقدر، فلقد دُرجَ في البذرة كل ما تمضيه من صفحات حياتها بل حياة الشجرة كاملة مندرجة في تلك البذرة، حتى إذا ما ألقيت في التراب تنشق عن ألوف الأُلوف من أنواع النباتات والأشجار والأزاهير المتنوعة، على الرغم من تشابهها من حيث التركيب وتشكلها من المواد البسيطة نفسها. فكل بذرة تعرض أمام الأنظار وهي تنشق عما فصّل القدرُ على حجمها وقدره من لباس، أو تتشكل وفق الصورة العلمية والمعنوية التي وضعها لها القدر. فلو عمل ألوف من الخياطين، طوال سنين مديدة، لا يستطيعون أن يوفقوا حتى إلى خياطة لباس كامل لشجرة واحدة فقط. بينما الأشجار والنباتات جميعها تصنع لنفسها الملابس منذ الخلق. فلا مناص من تفويض هذا الفعل إلى القدر الحاكم. وإلاّ فكيف يمكن أن يوضّح هذا الأمر بغير القدر؟

تأمل في قصر الكون العظيم هذا! فالواقف أمام التلسكوب يرى الأبعاد الشاسعة على مسافة خمسة ملايين سنة ضوئية. يعني إذا انطفأ "نجم نابض" فإنك لا تشاهد انطفاءه إلاّ بعد خمسة ملايين من السنين! أو لو أصبحتَ ضوءً وأردت الذهاب إلى هناك فإنك لا تبلغه إلاّ بعد خمسة ملايين من السنين! أفلا يدفع هذا الكون العظيم وهذا النظام الدقيق الإنسان إلى الإعجاب والحيرة؟

ومن جانب آخر نرى أن هذا العالم الواسع له علاقة وثيقة مع الإنسان هذا العالم الصغير وخليفة الله في الأرض، بحيث إن هذه العلاقة الوثيقة توضح التقدير المطلق والعلم المحيط لله الذي يمسك السموات والأرض بأدق نظام وأبدع ميزان وأروع تقدير وتدبير. فالتناسب الدقيق البيّن بين أعضاء الإنسان يمكن ملاحظته أيضاً في كل جزء من أجزاء الكون كذلك. وحقّاً ما قاله "جين" (Jean): "إن الذي وضع عالم الذرات وعالم الإنسان بل جميع العوالم وضعها وفق مقاييس هندسية دقيقة، فتشاهد هندسة حاكمة على الكون كله. أليست هذه الهندسة الحساسة الدقيقة الحاكمة على الكون كافية لإثبات الإله الأزلي الذي بنى الكون عليها".

ولنبسط المسألة حسب مدارك العوام:

لو كنتم على أهبة إنشاء بناء ولو كان بسيطاً، فلا شك أنكم ستراجعون أولاً من تثقون بدرايته في هذا الأمر وتسترشدون برأيه. ذلك لأن أي خطإ في في إرساء قواعد البناء -ولو كان طفيفاً- قد يؤدي إلى انهدام البناء فور إنشائه. لذا فإن تقدير حسابات البناء ضروري جدّاً. فهذا البناء البسيط يحتاج إلى تقدير وتصميم وتخطيط يلائمه، وأنتم لا تشرعون بالبناء إلاّ بعد إعداد وتهيئة الأوليات اللازمة، بل يجب أن تراعوا خطة الإعمار في البلدة التي أنتم فيها وتأخذوا بنظر الاعتبار موقع البناء وشكله الخارجي.. إلى آخره من الأمور الدقيقة التي يتطلبها البناء ولو كان بسيطاً، بينما الكون الواسع العظيم بحاجة إلى أدق الحسابات والمقاييس والتقدير. أوَ تريد مثالاً على ذلك؟

انظروا إلى قطعة تفاح تضعونها في فمكم، ولاحظوا العلاقة الدقيقة بينها وبينكم؛ طعم التفاح وفمكم، الفيتامينات التي فيها وجسمكم، بل حتى ظل شجرته وحاجتكم إلى الظل، وحاجة شجرتها إلى ما تلفظونه من غاز ضار في الزفير، وقيامها بتنقية الهواء، ومن ثم شهيقكم وتنفسكم من هذا الهواء الصافي. وهكذا.. إلى مئات ومئات العلاقات الموجودة بيننا وبين التفاح -مثلاً-.. وما ذكرناه ليس إلاَّ نتفاً منها.

فإن شئتم أن تأخذوا المسألة في دائرة ضيقة -كهذا المثال- أو إن شئتم أن تأخذوها في ميدان أوسع بين النجوم؛ فلا ترون إلاّ نظاماً بديعاً وتوازناً دقيقاً وتقديراً في كل شيء.

إن حيواناً منوياً لا يكذب قطعاً، لأنه يتحرك على وفق نظام وخطة معينة، فلو قال سأكون إنساناً، يكون إنساناً، فهو يتكلم بلسان الكروموسومات وبالوظيفة التي لا تخطئ لـ(D.N.A) و (R.N.A) في توجيه الخلايا، لتكوين فم الإنسان وشفتيه وعينيه وأنفه وأذنيه وسيماه وكل ما فيه..

وواضح لدى الفلَكيين الفيزيائيين أيضاً الأبعاد الفضائية، ومعروف لديهم مسبقاً القوى المغناطيسية ومداها في تلك الأبعاد الهندسية الشاسعة وشدة القوى التي فيها. وقد ساعد اكتشاف الكمبيوترات على معرفة أن أي مخلوق في الكون إنما يُنظم وفق خطة معينة منذ خلقه.. وهذا الأمر جار من الذرات إلى المجرات. فلقد سُجّل وعُيّنَ كل شيء في اللوح المحفوظ.. وهذا ما نطلق عليه اسم "القدر".

ولعل من الأفضل أن نوضح المسألة أكثر..

إن ما ذكرناه -حتى الآن- هو حول القدر الجبري، أي القدر الذي لا يد للإنسان فيه، ولا دخل له فيه. فهذا القدر كوني، لا تؤخذ فيه إرادة الإنسان بنظر الاعتبار. فالله سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء ويفعل ما يريد ولا يُسأل عما يفعل؛ فهو القاهر الجبار. ورغم ما ينطوي عليه كل مخلوق من حكمة إلاّ أن هذه الحكمة ليست مقيدة، لأنه سبحانه وتعالى ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾(البروج: 16). فالكرة الأرضية منذ الخلق تدور حول نفسها وحول الشمس بسَوق من هذا القدر الجبري. فليس لأحد أن يقول لها: "قفي..". وكذا الشمس والقمر يتسابقان، وليس لأحد أن يمنعهما من هذا التسابق؛ لأن القدر الجبري هو المهيمن في هذا الجريان والتسابق.. فكل شيء خاضع اضطراراً لهذا القدر.

Share:

More Posts

عمى النظام

إنّ الذين يعملون داخل نظامٍ وكيانٍ معيّن قد يُصابون مع مرور الوقت بما يُسمى “عمى النظام”؛ أو ما يمكن أن نسميه بالرتابة والاستسلام للإلف والتعوّد، فلا جَرَمَ أنّ تكرار الأعمال على الدوام بشكلٍ معين وتنسيقٍ محدَّدٍ روتينيٍّ يؤدّي إلى الرتابة، فإن لم يُراجَع هذا النظام ويُجدَّد على فترات معينة، ولم تُسدَّ الثغرات وتُكمَّل النواقص؛ حصل…

آفة الدين ثلاثة

سؤال: جاء في الحديث: “آفَةُ الدِّینِ ثَلَاثَةٌ: فَقِیهٌ فَاجِرٌ وَإِمَامٌ جَائِرٌ وَمُجْتَهِدٌ جَاهِلٌ”[1]، فما السمات المشتركة التي جعلت من هذه الفئات الثلاث المذكورة في الحديث آفةً للدين؟
الجواب: رغم أن هذا القول الذي رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد انتُقد من حيث ضوابط ومعايير علم مصطلح الحديث فلا شك أنه يعبّر من حيث المعنى عن حقيقة مهمّة…

الإسلام مبنيٌّ على اليُسْرِ

سؤال: بما أنّ الإسلامَ دينُ يُسرٍ وليس دينَ عسرٍ؛ فلماذا تصعب على أجيال اليوم معايشة الإسلام الحقيقي؟ وكيف نفهم هذا الوضع الذي يبدو متناقضًا في الظاهر؟
الجواب: حتى نفهم المسألة فهمًا صحيحًا لا بد أن نؤكد بدايةً على أن العسر واليسر مفهومان نسبيان؛ بمعنى أن هذه المسألة تختلف تبعًا لفهم الأفراد وتصوراتهم، فقد يجد البعض صعوبةً في أداء…

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

سؤال: أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وحثنا بوسائل شتى على الصلاة والسلام عليه، فكيف نفهم هذه الوصية؟ وكيف ننفذ هذا الأمر؟
الجواب: حثنا النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في السؤال- على الصلاة والسلام عليه في كثير من أحاديثه المباركة، ومن ذلك قوله: “إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فِي الدُّنْيَا”[1]،…

الذنب والتوبة

لم يكن الحسدُ والكبرُ والعصيانُ فحسب السببَ في طرد الشيطان من الحضرة الإلهية، إنما قيامُه بعد العصيان باختلاق المبررات والأعذار، ولُجوؤه إلى الجدل، ومحاولتُه تبريرَ خطيئته.. وعلى الجانب الآخر فقد استوعب أصحابُ الطبائع السليمة دقّةَ الامتثال للأمر؛ فما إن تعثّروا وسقطوا حتى نهضوا واستقاموا وتوجهوا إلى الباب الذي عليهم أن يتوجهوا إليه، وسألوا الله العفو…

لمحات حول تطوير الفقه الإسلامي

سؤال: ما نوع الدراسات التي توصي بإجرائها في مجال الفقه كي يتسنى التغلب على الركود المستمر منذ ثلاثة أو أربعة قرون؟
الجواب: بداية ثمة فائدة في التذكير بأمر ما يتعلق بالموضوع، ألا وهو أن علم الفقه معجزة من معجزات القرآن والفكر الإسلامي؛ فقد نظم الفقهاء المسلمون الحياة بأدقِّ تفاصيلها من خلال الأحكام التي توصلوا إليها كنتاج لعمل جاد،…

“فوائد قصة “هابيل” و”قابيل

سؤال: ما الرسائل المراد إيصالها إلى المؤمنين من خلال قصة “هابيل” و”قابيل”؟
الجواب: أودّ أن أتطرّق إلى مبدإٍ عام قبل الإجابة على هذا السؤال، فمن المؤكد أن لكل واقعة مذكورة في القرآن الكريم جانبًا يهمّنا، وعلينا أن نعثر على جوانبها التي تتعلق بيومنا، ونأخذ العبرة والدروس منها؛ فالقرآن لا يتحدث عن الماضي سردًا لمعلومات تاريخية فحسب؛ بل إنه…

قَدَرُ الطريق

في مواجهة المظالم المعيشة في يومنا، يعاني الكثير منا المشاعر نفسها ونحمل الأفكار عينها في كل حركاتنا وسكناتنا؛ فينقضُّ نومنا، ونئنّ ألمًا وحزنًا، ومع ذلك نؤمن تمامًا بأنه إذا استطعنا أن نواجه بصبرٍ ورضًا البلايا والمصائب التي نتعرّض لها، فإن جميع المشاكل والصعوبات التي نعانيها في هذا العالم ستكون وسيلة مهمة لفوزنا في الآخرة، وإن…

السبيل إلى الحفاظ على الحياة الروحية

سؤال: كيف نحافظُ على النقاء المعهود في أيام الخدمة الأولى، ونستمرُّ في مواصلة الشد المعنوي، وتنشئةِ رجالٍ جددٍ للدّعوة؟
الجواب: بداية أودّ أن أؤكّد على حقيقة أُشيرَ إليها في السؤال، ألا وهي أن الناس كانوا في السنوات الأولى من الخدمة مخلصين ومضحّين للغاية.. فلم يكن لديهم مطلبٌ سوى رضا الله، وكان الوفاق والاتفاق رائعًا بين المتطوعين في الخدمة…..

الموقف الثابت والأقنعة الساقطة

كلُّ مشكلةٍ ومعاناةٍ تعيشها تكون حبلى بالبهجة والسرور، وبالتالي يجب عليك أن تتحمل فترة الحمل.. فإذا كنت تريد أن يكون لديك ابنٌ كهالة النور وأن تضمّه إلى حضنك، فعليك أن تتحمل المتاعب التي ستتعرض لها قبل ذلك وأن تعمل على مواجهتها بصبرٍ، وهذا بالطبع ليس بالأمر السهل، ولكنك ستشعر بعد ذلك بفرحة تنسيك معاناتك السابقة،…

Send Us A Message