6-القدر نوع من العلم الإلهي

القدر هو ما فصّله الله سبحانه -في علمه- من تخطيط وتنظيم وتصميم للأشياء. والعلم بالشيء لا يعني إيجاده، إذ لو عرفت تصميم ألف بناء وحفظت خطة عمل لمئات المصانع، فلا يأتي بعلمك هذا أي شيء للوجود، بمجرد ما في حافظتك من تصميم وتخطيط. إذ لإيجاد تلك المباني والمصانع لا بد من إرادة وقدرة. وبخلافه فذلك التخطيط والتصميم ليس إلا علم يخصك وحدك. فأنت تدور فيه خيالاً، وأي عارض في خيالك يؤدي إلى ذهاب تلك البنايات والمصانع، حتى إذا ما ضعفت المخيلة وجفت ينابيعها تصبح كأن لم يدر فيها شيءٌ قط من المعرفة والتصميم والتخطيط.

ونقول أيضاً: إن القدر من نوع العلم، والعلم تابع للمعلوم دائماً؛ أي على أيّ كيفية يكون المعلوم، كذلك يحيط به العلم. وليس المعلوم تابعاً للعلم. وحيث إن الأمر هكذا فإن الله سبحانه يعلم ما سنعمل وكيف نعمل بإرادتنا، ويضع تقديره على وفق علمه. فعلمُه محيط بكل شيء؛ بل التعبير بـ"أن هذا الشيء يعود إلى علمه" سوء أدب مع الله؛ إذ لا شيء خارج علمه، وإنما نستعمل هذا التعبير لتقريب المسألة إلى العقل وبقصد التوضيح.

لنفكر -مثلاً- في قطار يقطع المسافة بين محطتين معلومتين بزمن معلوم. فهذه نتيجة محسوبة ومحسومة وهي معلومة قبل حركة القطار بكثير. وتطبع هذه المعلومات في قوائم ولوحات أحياناً. فالنتيجة المعلومة هذه عبارة عن تخطيط وتصميم. والآن إذا ما قسنا المثال على مسألتنا نقول: "إن هذه النتيجة هو القدر". إلاّ أن هناك أمراً وهو أن هذه المعلومات التي لدينا ليست قوة جبرية تدفع القطار إلى الحركة؛ بمعنى أن القطار لا يسير إلى المحطة المعنية لأن هذه الخطة مرسومة ومصممة، وإنما لأن القطار سيكون في تلك المواعيد في تلك المحطات حسب تصميم هذه الخطة، أي في قَدَر القطار يُسجّل هكذا، حيث إن العلم تابع للمعلوم. فكيفما يكن الشيء يكن العلم به، ويوضع التقدير بحقه وفق ذلك العلم.

إن علم الله سبحانه يطل من الأعلى، ينظر في آن واحد إلى كل ما حدث ويحدث وما سيحدث كأنه حادث الآن. فالسبب والنتيجة، والعلة والمعلول، والبداية والنهاية، مندمجة كلها في علمه، منحصرة كلها في نقطة واحدة بلا زمان ولا مكان. ولهذا فليس هناك أول وآخر، وقبلُ وبعدُ. أي أن علم الله سبحانه محيط بكل شيء من جميع جهاته. فهو سبحانه يقدّر تقديره وفق هذا العلم المحيط. ولهذا فهذا التقدير قد حسب حساب إرادة الإنسان في الأفعال الإرادية ولا يخرجها من حسابه، أي لا يبطلها.

إن أفعال الإنسان محفوظة كلها مسبقاً في اللوح المحفوظ، وأن ما قُدّر له بعد ذلك وعُلّق على عنقه هو ما استُنسخ من هذا اللوح المحفوظ، كما هو واضح في الآية الكريمة: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾(الإسراء: 13).

نعم إن كل ما سيفعله الإنسان قد كُتب مسبقاً، وإنما هو بأفعاله يضع ما كُتب في حقه موضع التنفيذ. وإن هذا القدر المكتوب هو ما عُلم بعلم الله من أفعال سيفعلها، أي معلومة مسبقاً. وهذا العلم ليس قوة تجبره على الفعل. وإذا ما قورن الكتاب المعلق على عنق الإنسان مع ما يسجله الملائكة من أفعاله، يشاهَد أن الإنسان لم يفعل سوى ما كُتب له بحذافيره. والله سبحانه سيُقرئ الإنسان هذا الكتاب ويحاسبه وفق ذلك.

وبهذه المناسبة أريد أن أشير إلى ما يأتي:

إن الذين يزاولون مسائل الروح مزاولة جادة يقولون: "إن الروح قرين الجسد، يعني إن مع البدن المثالي هناك جهة ثانية للإنسان فيها ما يخص حياته من تقدير وتعيين؛ لذا يمكن معرفة ما هو مقدّر للإنسان -إلى حدّ ما – عندما يكون الإطلاع كاملاً على ماهية روحه ووظيفته".

هذا وإن المشتغلين بـ"علم القيافة" (أي المعاني التي تفيدها الجهة المادية للإنسان كالخطوط الموجودة في كفه) يرون: أن هذه الأمور تعني انعكاسات للقدر على جسم الإنسان. أي يمكنهم أن يعرفوا ما سيقع على الإنسان من أحداث ولو بشكل جزئي. حتى إن الذين وُهبوا بصيرة نفّاذة وفراسة قوية يستطيعون أن يحدسوا بعض مقدرات الإنسان المستقبلية بمجرد النظر إلى سيماه. وهذه الأمور ليست معرفة بالغيب، لأنهم يعتقدون أن الأسرار التي تخص القدر قد وضعت على شكل إشارات وعلامات في جسم الإنسان. وحتى لو كانت هذه الإشارات غيبية بالنسبة للجاهلين بهذا العلم؛ فإن الغيب بالمعنى الحقيقي لا يُحصر في هذه المعلومات. بمعنى أن ما أوردناه لا يُعارض حكمَ "لا يعلم الغيب إلاّ الله". إذ إن محاولة معرفة القدر من الإشارات والعلامات الموضوعة في جسم الإنسان كان علماً موجوداً حتى في عصر النبوة، وكان يسمى العالم به (القائف). والرسول صلى الله عليه وسلم لم ينكر هذه المعرفة، بل قد أحضر قائفاً وأطلعه على أسامة وأبيه زيد بن حارثة رضي الله عنهما وهما مضطجعان، وغطاهما الرسول صلى الله عليه وسلم وأقدامهما بادية من الغطاء، حيث كان أسامة أبيض البشرة بخلاف والده، ولهذا دار اللغط حولهما.

عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ قائف والنبيُّ صلى الله عليه وسلم شاهدٌ وأسامةُ بن زيد وزيدُ بن حارثةَ مُضْطَجِعان فقال: إن هذه الأقدامَ بعضُها من بعضٍ. قال فسُرَّ بذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأعجَبَه فأخبر به عائشةَ»[1]

الهوامش

[1] البخاري، فضائل أصحاب النبي 17

Share:

More Posts

عمى النظام

إنّ الذين يعملون داخل نظامٍ وكيانٍ معيّن قد يُصابون مع مرور الوقت بما يُسمى “عمى النظام”؛ أو ما يمكن أن نسميه بالرتابة والاستسلام للإلف والتعوّد، فلا جَرَمَ أنّ تكرار الأعمال على الدوام بشكلٍ معين وتنسيقٍ محدَّدٍ روتينيٍّ يؤدّي إلى الرتابة، فإن لم يُراجَع هذا النظام ويُجدَّد على فترات معينة، ولم تُسدَّ الثغرات وتُكمَّل النواقص؛ حصل…

آفة الدين ثلاثة

سؤال: جاء في الحديث: “آفَةُ الدِّینِ ثَلَاثَةٌ: فَقِیهٌ فَاجِرٌ وَإِمَامٌ جَائِرٌ وَمُجْتَهِدٌ جَاهِلٌ”[1]، فما السمات المشتركة التي جعلت من هذه الفئات الثلاث المذكورة في الحديث آفةً للدين؟
الجواب: رغم أن هذا القول الذي رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد انتُقد من حيث ضوابط ومعايير علم مصطلح الحديث فلا شك أنه يعبّر من حيث المعنى عن حقيقة مهمّة…

الإسلام مبنيٌّ على اليُسْرِ

سؤال: بما أنّ الإسلامَ دينُ يُسرٍ وليس دينَ عسرٍ؛ فلماذا تصعب على أجيال اليوم معايشة الإسلام الحقيقي؟ وكيف نفهم هذا الوضع الذي يبدو متناقضًا في الظاهر؟
الجواب: حتى نفهم المسألة فهمًا صحيحًا لا بد أن نؤكد بدايةً على أن العسر واليسر مفهومان نسبيان؛ بمعنى أن هذه المسألة تختلف تبعًا لفهم الأفراد وتصوراتهم، فقد يجد البعض صعوبةً في أداء…

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

سؤال: أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وحثنا بوسائل شتى على الصلاة والسلام عليه، فكيف نفهم هذه الوصية؟ وكيف ننفذ هذا الأمر؟
الجواب: حثنا النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في السؤال- على الصلاة والسلام عليه في كثير من أحاديثه المباركة، ومن ذلك قوله: “إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فِي الدُّنْيَا”[1]،…

الذنب والتوبة

لم يكن الحسدُ والكبرُ والعصيانُ فحسب السببَ في طرد الشيطان من الحضرة الإلهية، إنما قيامُه بعد العصيان باختلاق المبررات والأعذار، ولُجوؤه إلى الجدل، ومحاولتُه تبريرَ خطيئته.. وعلى الجانب الآخر فقد استوعب أصحابُ الطبائع السليمة دقّةَ الامتثال للأمر؛ فما إن تعثّروا وسقطوا حتى نهضوا واستقاموا وتوجهوا إلى الباب الذي عليهم أن يتوجهوا إليه، وسألوا الله العفو…

لمحات حول تطوير الفقه الإسلامي

سؤال: ما نوع الدراسات التي توصي بإجرائها في مجال الفقه كي يتسنى التغلب على الركود المستمر منذ ثلاثة أو أربعة قرون؟
الجواب: بداية ثمة فائدة في التذكير بأمر ما يتعلق بالموضوع، ألا وهو أن علم الفقه معجزة من معجزات القرآن والفكر الإسلامي؛ فقد نظم الفقهاء المسلمون الحياة بأدقِّ تفاصيلها من خلال الأحكام التي توصلوا إليها كنتاج لعمل جاد،…

“فوائد قصة “هابيل” و”قابيل

سؤال: ما الرسائل المراد إيصالها إلى المؤمنين من خلال قصة “هابيل” و”قابيل”؟
الجواب: أودّ أن أتطرّق إلى مبدإٍ عام قبل الإجابة على هذا السؤال، فمن المؤكد أن لكل واقعة مذكورة في القرآن الكريم جانبًا يهمّنا، وعلينا أن نعثر على جوانبها التي تتعلق بيومنا، ونأخذ العبرة والدروس منها؛ فالقرآن لا يتحدث عن الماضي سردًا لمعلومات تاريخية فحسب؛ بل إنه…

قَدَرُ الطريق

في مواجهة المظالم المعيشة في يومنا، يعاني الكثير منا المشاعر نفسها ونحمل الأفكار عينها في كل حركاتنا وسكناتنا؛ فينقضُّ نومنا، ونئنّ ألمًا وحزنًا، ومع ذلك نؤمن تمامًا بأنه إذا استطعنا أن نواجه بصبرٍ ورضًا البلايا والمصائب التي نتعرّض لها، فإن جميع المشاكل والصعوبات التي نعانيها في هذا العالم ستكون وسيلة مهمة لفوزنا في الآخرة، وإن…

السبيل إلى الحفاظ على الحياة الروحية

سؤال: كيف نحافظُ على النقاء المعهود في أيام الخدمة الأولى، ونستمرُّ في مواصلة الشد المعنوي، وتنشئةِ رجالٍ جددٍ للدّعوة؟
الجواب: بداية أودّ أن أؤكّد على حقيقة أُشيرَ إليها في السؤال، ألا وهي أن الناس كانوا في السنوات الأولى من الخدمة مخلصين ومضحّين للغاية.. فلم يكن لديهم مطلبٌ سوى رضا الله، وكان الوفاق والاتفاق رائعًا بين المتطوعين في الخدمة…..

الموقف الثابت والأقنعة الساقطة

كلُّ مشكلةٍ ومعاناةٍ تعيشها تكون حبلى بالبهجة والسرور، وبالتالي يجب عليك أن تتحمل فترة الحمل.. فإذا كنت تريد أن يكون لديك ابنٌ كهالة النور وأن تضمّه إلى حضنك، فعليك أن تتحمل المتاعب التي ستتعرض لها قبل ذلك وأن تعمل على مواجهتها بصبرٍ، وهذا بالطبع ليس بالأمر السهل، ولكنك ستشعر بعد ذلك بفرحة تنسيك معاناتك السابقة،…

Send Us A Message