8-مشيئة الله وإرادة الإنسان

على الرغم من كون الإنسان صاحب اختيار وإرادة، فلله الخلق والأمر. فلا يحدث شيء قطعاً ولا يرد شيء إلى الوجود أصلاً ما لم يصدر الأمر منه تعالى. فلولا مشيئته لم يكن زمان ولا مكان؛ ولو لم يرد دوام ما أوجده لأصبح كل شيء هباءً منثوراً.

فهو الذي قلّد جواهر الوجود على جيد العدم، وهو الذي فتح أبواب السماء على ظلمات العدم، وهو الذي جعل الأكوان كلها كالكتاب وكالمعرض ونوّرها ليُقرأ الكتاب ويُشاهد المعرض. فالعيون تتفجر بأمره، والسيول تجري بأمره، والجبال تتصدع وتسقط بأمره أحجاراً تتحول إلى تراب، بفتح صدره للبذور والنوى، والسهول والوديان تتسربل بحلل سندسية بأمره، حتى تغرى نظر الأرض والسماء، وتتحول الأرض من أقصاها إلى أقصاها جناناً وارفة بنسائم أوامره، فتشحن البساتين والحدائق بالثمار والفواكه، وتغرد الطيور والطويرات بأمره.. بل حتى يتكلم كل كائن حي وغير حي، كل بلسانه، حامداً، داعياً، سائلاً منه تعالى.

فهذا الكون الواسع الذي لا يُرى له ساحل، لا يمكن أن يدّعي أحدٌ تملكه، فما هذه الأرض بعظمتها، بأنهارها وسيولها وبحارها إلاّ قطرات من رحمته تعالى، وما جميع الموجودات الحية وغير الحية إلاّ ذرة من خزائن ثروته. فنعمه تعالى لا تعدّ ولا تحصى ولا تسعها الأرقام. فله وحده الشكر والحمد والمنة تجاه هذه النعم السابغة على الجميع. وله التصرف والتدبير الواسع المشاهد في كل جزء من أجزاء الكون والإنعامات التي أسبغها على كل موجود، وكذا له وحده جميع الحسنات والخيرات وجميع المباركات والفيوضات التي تحققت بعمل الإنسان. فإفراغ الطمأنينة إلى القلوب المؤمنة وإعطاء العلم والدراية لعقول روّاد الحقيقة، وإسباغ الأخلاق الفاضلة والحكمة السديدة عليهم، وهداية الرؤوس العاشقة للسجود له… يخصه وحده تعالى. وكل سعي وعمل لمن لا يعرف عنايته ولا يقدرها حق قدرها عبث وهباء، بل سراب زائل كل ما لا تضفى عليه عنايته تعالى. فالأعمال تتحول عبادات بالفكر في رضاه. والعبادات هذه تكبر وتتسع برعايته وصيانته لها. حتى تصبح وسيلة نجاة الذين كانوا السبب في إقامتها وأدائها. وبخلاف هذا لا يمكن الوصول إلى شيء ولا المرور على الصراط المستقيم، أي خلاف هذا خيال لا حقيقة له. "أنا الذي عملت كذا، أنا نظمت ذاك، أنا الذي وجهت فلان.." هذه الكلمات التي تنم عن الفخر والغرور، مزالق شيطانية حتى مجرد التفوه بها.

إنه الله العلي القدير يدفع أصغر الأشياء لإنجاز أعظم الوظائف، وهو الذي دمّر بنملة قصْر فرعون. إن راية ملكه ترفرف في كل زاوية من زوايا الكون. ويا خسارة من لا ينضوي تحت رايته، أدامها الله على رؤوسنا وأظلنا بظلها. نعم، إن الأرض والسماء تحت حكمه، ونحن بأيدينا وأرجلنا وبصرنا وسمعنا ولساننا وقلبنا ووجداننا… ملكه سبحانه وتعالى. وما هذه الجوارح إلاّ قطع لحم في ملكه الواسع، فهي وسائل شاعرة صغيرة جداً.

فكما أن هذا كله له وحده سبحانه، فإن جميع ما يرد منه من ثمرات وفوائد تخصه وحده سبحانه؛ إذ كيف يمكننا أن نقول: "لساننا، فمنا، عيننا، أذننا.. لو لم يمنحنا سبحانه وتعالى هذه الجوارح والمشاعر والحواس، ولو لم يرتّب ثمرات على هذه الحواس والمشاعر، كم كانت حصتنا من تلك الثمرات التي ندّعي تملكها؟. فالدنيا كلها بأمره تدور، والأرض كلها تمتلئ بجود كرمه وتفيض". لذا فإن إسناد الوجود إلى غيره تعالى "كفر ما بعده كفر" حتى أنه لا يغتفر؛ والتعامي عن يد إحسانه وراء كل إحسان شرك مشين.

فيا ذا الرحمة الواسعة التي يطمع فيها حتى الشيطان! ارفع الغشاوة عن أبصار الذين يقولون: "أنا.. أنا.." وأظهر تجلياتك للمستحسنين المعجبين أمام إجراءاتك وأفعالك، واملأ القلوب الخاوية بمعرفتك.

Share:

More Posts

عمى النظام

إنّ الذين يعملون داخل نظامٍ وكيانٍ معيّن قد يُصابون مع مرور الوقت بما يُسمى “عمى النظام”؛ أو ما يمكن أن نسميه بالرتابة والاستسلام للإلف والتعوّد، فلا جَرَمَ أنّ تكرار الأعمال على الدوام بشكلٍ معين وتنسيقٍ محدَّدٍ روتينيٍّ يؤدّي إلى الرتابة، فإن لم يُراجَع هذا النظام ويُجدَّد على فترات معينة، ولم تُسدَّ الثغرات وتُكمَّل النواقص؛ حصل…

آفة الدين ثلاثة

سؤال: جاء في الحديث: “آفَةُ الدِّینِ ثَلَاثَةٌ: فَقِیهٌ فَاجِرٌ وَإِمَامٌ جَائِرٌ وَمُجْتَهِدٌ جَاهِلٌ”[1]، فما السمات المشتركة التي جعلت من هذه الفئات الثلاث المذكورة في الحديث آفةً للدين؟
الجواب: رغم أن هذا القول الذي رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قد انتُقد من حيث ضوابط ومعايير علم مصطلح الحديث فلا شك أنه يعبّر من حيث المعنى عن حقيقة مهمّة…

الإسلام مبنيٌّ على اليُسْرِ

سؤال: بما أنّ الإسلامَ دينُ يُسرٍ وليس دينَ عسرٍ؛ فلماذا تصعب على أجيال اليوم معايشة الإسلام الحقيقي؟ وكيف نفهم هذا الوضع الذي يبدو متناقضًا في الظاهر؟
الجواب: حتى نفهم المسألة فهمًا صحيحًا لا بد أن نؤكد بدايةً على أن العسر واليسر مفهومان نسبيان؛ بمعنى أن هذه المسألة تختلف تبعًا لفهم الأفراد وتصوراتهم، فقد يجد البعض صعوبةً في أداء…

الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

سؤال: أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وحثنا بوسائل شتى على الصلاة والسلام عليه، فكيف نفهم هذه الوصية؟ وكيف ننفذ هذا الأمر؟
الجواب: حثنا النبي صلى الله عليه وسلم -كما ورد في السؤال- على الصلاة والسلام عليه في كثير من أحاديثه المباركة، ومن ذلك قوله: “إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فِي الدُّنْيَا”[1]،…

الذنب والتوبة

لم يكن الحسدُ والكبرُ والعصيانُ فحسب السببَ في طرد الشيطان من الحضرة الإلهية، إنما قيامُه بعد العصيان باختلاق المبررات والأعذار، ولُجوؤه إلى الجدل، ومحاولتُه تبريرَ خطيئته.. وعلى الجانب الآخر فقد استوعب أصحابُ الطبائع السليمة دقّةَ الامتثال للأمر؛ فما إن تعثّروا وسقطوا حتى نهضوا واستقاموا وتوجهوا إلى الباب الذي عليهم أن يتوجهوا إليه، وسألوا الله العفو…

لمحات حول تطوير الفقه الإسلامي

سؤال: ما نوع الدراسات التي توصي بإجرائها في مجال الفقه كي يتسنى التغلب على الركود المستمر منذ ثلاثة أو أربعة قرون؟
الجواب: بداية ثمة فائدة في التذكير بأمر ما يتعلق بالموضوع، ألا وهو أن علم الفقه معجزة من معجزات القرآن والفكر الإسلامي؛ فقد نظم الفقهاء المسلمون الحياة بأدقِّ تفاصيلها من خلال الأحكام التي توصلوا إليها كنتاج لعمل جاد،…

“فوائد قصة “هابيل” و”قابيل

سؤال: ما الرسائل المراد إيصالها إلى المؤمنين من خلال قصة “هابيل” و”قابيل”؟
الجواب: أودّ أن أتطرّق إلى مبدإٍ عام قبل الإجابة على هذا السؤال، فمن المؤكد أن لكل واقعة مذكورة في القرآن الكريم جانبًا يهمّنا، وعلينا أن نعثر على جوانبها التي تتعلق بيومنا، ونأخذ العبرة والدروس منها؛ فالقرآن لا يتحدث عن الماضي سردًا لمعلومات تاريخية فحسب؛ بل إنه…

قَدَرُ الطريق

في مواجهة المظالم المعيشة في يومنا، يعاني الكثير منا المشاعر نفسها ونحمل الأفكار عينها في كل حركاتنا وسكناتنا؛ فينقضُّ نومنا، ونئنّ ألمًا وحزنًا، ومع ذلك نؤمن تمامًا بأنه إذا استطعنا أن نواجه بصبرٍ ورضًا البلايا والمصائب التي نتعرّض لها، فإن جميع المشاكل والصعوبات التي نعانيها في هذا العالم ستكون وسيلة مهمة لفوزنا في الآخرة، وإن…

السبيل إلى الحفاظ على الحياة الروحية

سؤال: كيف نحافظُ على النقاء المعهود في أيام الخدمة الأولى، ونستمرُّ في مواصلة الشد المعنوي، وتنشئةِ رجالٍ جددٍ للدّعوة؟
الجواب: بداية أودّ أن أؤكّد على حقيقة أُشيرَ إليها في السؤال، ألا وهي أن الناس كانوا في السنوات الأولى من الخدمة مخلصين ومضحّين للغاية.. فلم يكن لديهم مطلبٌ سوى رضا الله، وكان الوفاق والاتفاق رائعًا بين المتطوعين في الخدمة…..

الموقف الثابت والأقنعة الساقطة

كلُّ مشكلةٍ ومعاناةٍ تعيشها تكون حبلى بالبهجة والسرور، وبالتالي يجب عليك أن تتحمل فترة الحمل.. فإذا كنت تريد أن يكون لديك ابنٌ كهالة النور وأن تضمّه إلى حضنك، فعليك أن تتحمل المتاعب التي ستتعرض لها قبل ذلك وأن تعمل على مواجهتها بصبرٍ، وهذا بالطبع ليس بالأمر السهل، ولكنك ستشعر بعد ذلك بفرحة تنسيك معاناتك السابقة،…

Send Us A Message